أحمد بن محمد المقري التلمساني

39

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

وإني وإن كنت الأبيّ قياده * ليأمرني حبّ الحسان وينهاني وما زلت أرعى العهد فيمن يضيعه * وأذكر إلفي ما حييت وينساني فلا تنكرا ما سامني مضض الهوى * فمن قبل ما أودى بقيس وغيلان « 1 » لي اللّه إمّا أومض البرق في الدّجى * أقلّب تحت الليل أجفان وسنان « 2 » وإن سلّ من غمد الغمام حسامه * برى كبدي الشوق الملمّ وأضناني تراءى بأعلام الثنيّة باسما * فأذكرني العهد القديم وأبكاني أسامر نجم الأفق حتى كأننا * وقد سدل الليل الرواق حليفان وممّا أناجي الأفق أعديه بالجوى * فأرعى له سرح النجوم ويرعاني ويرسل صوب القطر من فيض أدمعي * ويقدح زند البرق من نار أشجاني وضاعف وجدي رسم‌دار عهدتها * مطالع شهب أو مراتع غزلان على حين شرب الوصل غير مصرّد * وصفوا الليالي لم يكدّر بهجران « 3 » لئن أنكرت عيني الطلول فإنها * تمتّ إلى قلبي بذكر وعرفان ولم أر مثل الدمع في عرصاتها * سقى تربها حين استهلّ وأظماني « 4 » وممّا شجاني أن سرى الركب موهنا * تقاد به هوج الرياح بأرسان غوارب في بحر السراب تخالها * وقد سبحت فيه مواخر غربان على كلّ نضو مثله فكأنما * رمى منهما صدر المفازة سهمان ومن زاجر كوماء مخطفة الحشا * توسّد منها فوق عوجاء مرنان نشاوى غرام يستميل رؤوسهم * من النوم والشوق المبرح سكران أجابوا نداء البين طوع غرامهم * وقد تبلغ الأوطار فرقة أوطان يؤمّون من قبر الشفيع مثابة * تطلّع منها جنّة ذات أفنان « 5 » إذا نزلوا من طيبة بجواره * فأكرم مولى ضمّ أكرم ضيفان

--> ( 1 ) قيس : هو قيس بن الملوح المشهور بمجنون ليلى ، أو لبنى . وغيلان : هو ذو الرمة . ( 2 ) في ب « مقلة وسنان » . ( 3 ) صرّده : سقاه دون الري أو سقاه متقطعا . ( 4 ) عرصاتها : ساحاتها . ( 5 ) مجتمع الناس ، والموضع الذي يرجع إليه مرة بعد مرة ، والموئل . كل هذه المعاني ممكن هنا .