أحمد بن محمد المقري التلمساني
38
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
فكن لي بالأسرار أفصح معلن * فإني قد أخلصت سرّي وإعلاني وليس قصدي - علم اللّه - بجلب هذه القصيدة ما فيها من المجون ، بل ما فيها من التلميحات التي يرغب في مثلها أهل الأدب والحديث شجون ، على أنّ أمثال هؤلاء الأعلام ، لا يقصدون بمثل هذا الكلام ، إلّا مجرّد الإحماض « 1 » ، فينبغي أن ينظر كلامهم الواقف عليه بعين الإغضاء عن النقد والإغماض ، ولا يبادر بالاعتراض ، من لم يعلم في الأصول برهان القطع والافتراض ، واللّه سبحانه المسؤول في التجاوز عن الزلّات ، والنجاة من الأمور المضلّات ، فعفوه سبحانه وراء جميع ذلك ، واللّه تعالى المطّلع على أسرار الضمائر ، والخبير بما هنالك ، لا ربّ غيره ، ولا خير إلّا خيره . [ نونية للوزير أبي عبد اللّه بن زمرك أنشدها سلطان الأندلس يوم عيد ] وحيث ذكرنا هذه القصائد النونية التي اتّفق فيها البحر والروي ، وجرت من البلاغة على النهج السّويّ ، فلا بأس أن نعزّزها بقصيدة الرئيس الوزير أبي عبد اللّه بن زمرك - سامحه اللّه تعالى ! - وهي قصيدة ميلادية أنشدها سلطان الأندلس عام خمسة وستين وسبعمائة ، ونجعلها مكفرة لما مرّ في قصيدة الفقيه عمر من المجون ، ومبلغة للناظرين في هذا التأليف ما يرجون ، والحديث شجون ، وهي قوله « 2 » : [ الطويل ] لعلّ الصّبا إن صافحت روض نعمان * تؤدّي أمان القلب عن ظبية البان وما ذا على الأرواح وهي طليقة * لو احتملت أنفاسها حاجة العاني « 3 » وما حال من يستودع الريح سرّه * ويطلبها ، وهي النّموم ، بكتمان وكالطيف أستقريه في سنة الكرى * وهل تنقع الأحلام غلّة ظمآن « 4 » أسائل عن نجد ومرمى صبابتي * ملاعب غزلان الصريم بنعمان وأبدي إذا ريح الشمال تنفّست * شمائل مرتاح المعاطف نشوان عرفت بهذا الحبّ لم أدر سلوة * وإني لمسلوب الفؤاد بسلوان فيا صاحبي نجواي والحبّ غاية * فمن سابق جلّى مداه ومن واني وراء كما ما اللوم يثني مقادتي * فإني عن شأن الملامة في شان
--> ( 1 ) أحمض القوم : أفاضوا فيما يؤنسهم ويروح عنهم من حديث . ( 2 ) انظر أزهار الرياض ج 2 ص 42 . ( 3 ) العاني : المهموم . ( 4 ) تنقع : تزيل حرارة جوفه وتذهب عطشه .