أحمد بن محمد المقري التلمساني

344

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

بأموال الأرض ؟ أفلا يرعى لي ثمانية وأربعين منبرا في الإسلام شرقا وغربا وأندلسا ؟ أفلا يرعى لي أنه ليس اليوم يوجد من يسند أحاديث الصحاح سماعا من باب إسكندرية إلى البرين والأندلس غيري ونحو من مائتين وخمسين شيخا ؟ واللّه تعالى أعلم « 1 » ، لكن حرمني اللّه تعالى نبذة « 2 » الاشتغال به ، وآثرت « 3 » اتباع الهوى والدنيا ، فهويت ، اللهمّ غفرانك ! أفلا يرعى لي مجاورة نحو اثني عشر عاما وختم القرآن في داخل الكعبة ، والإحياء في محراب النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، والإقراء بمكة ، ولا أعلم من له هذه الوسيلة غيري ؟ أفلا يرعى لي الصلاة بمكة سنين « 4 » ، وغربتي بينكم ، ومحنتي في بلدي ، على محبتكم وخدمتكم ، من ذا الذي خدمكم من الناس يخرج على هذا الوجه ؟ أستغفر اللّه ، أستغفر اللّه ، أستغفر اللّه من ذنوبي ، وذنوبي أعظم ، وربّي أعلم ، وربّي أرحم ، والسلام ؛ انتهى . ففي هذا دليل على عظم قدره ومكانته في الدين والدنيا . قلت : ولقد رأيت مصحفه بتلمسان عند أحفاده وعليه خطه الرائق الذي أعرفه ، وهو يقول : قرأت في هذا المصحف تجاه الكعبة المشرفة اثني عشر ألف ختمة ؛ انتهى . ومع هذا فقد نسي في المصحف المذكور لفظة إليك من قوله تعالى يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ [ الملك : 4 ] حتى كتبه بخطّه فوق السطر حفيده العلامة سيدي أبو عبد اللّه محمد بن مرزوق ، رحمة اللّه على الجميع « 5 » ! وقال الخطيب المذكور ، رحمه اللّه تعالى ، في بعض تعاليقه ما صورته : ومن أشياخ والدي سيدي محمد المرشدي ، لقيه في ارتحالنا إلى الشرق ، وحين حملني إليه وأنا ابن تسع عشرة سنة نزلنا عنده ، ووافقنا صلاة الجمعة ، ومن عادته أن لا يتّخذ للمسجد إماما ، وحضر يومئذ من أعلام الفقهاء من لا يمكن اجتماع مثلهم في غير ذلك المشهد ، قال : فقرب وقت الصلاة ، فتشوّف « 6 » من حضر من الفقهاء والخطباء إلى التقديم ، فإذا الشيخ قد خرج فنظر يمينا وشمالا وأنا خلف والدي ، فوقع بصره عليّ ، فقال لي : يا محمد ، تعال ، قال : فقمت معه حتى دخلت معه في موضع خلوة ، فباحثني في الفروض والشروط والسنن ، قال : فتوضّأت وأخلصت النيّة ، فأعجبه وضوئي ، ودخل معي المسجد « 7 » ، وقادني إلى المنبر ، وقال لي : يا

--> ( 1 ) في ب « واللّه ما أعلم » . ( 2 ) في ب « نبذت » . ( 3 ) آثرت : فضلت . ( 4 ) كلمة « سنين » ساقطة من ب . ( 5 ) في ب « رحم اللّه الجميع » . ( 6 ) تشوف للشيء : تطلع إليه . ( 7 ) في ب « ودخل معي إلى المسجد » .