أحمد بن محمد المقري التلمساني
345
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
محمد ، ارق المنبر « 1 » ، فقلت له : يا سيدي ، واللّه لا أدري ما أقول ، فقال لي : ارق ، وناولني السيف الذي يتوكّأ عليه الخطيب عندهم ، وأنا جالس مفكر فيما أقول إذا فرغ المؤذنون ، فلمّا فرغوا ناداني بصوته ، وقال لي : يا محمد ، قم ، وقل بسم اللّه ، قال : فقمت ، وانطلق لساني بما لا أدري ما هو ، إلّا أني كنت أنظر إلى الناس ينظرون إليّ ويخشعون من موعظتي ، فأكملت الخطبة ، فلمّا نزلت قال لي : أحسنت يا محمد ، قراك « 2 » عندنا أن نولّيك الخطابة ، وأن لا تخطب بخطبة غيرك ما وليت وحييت ، ثم سافرنا فحججنا ، وأراد والدي الجوار ، وأمرني بالرجوع لأونس عمي وقرابتي بتلمسان ، وأمرني بالوقوف على سيدي المرشدي هنالك ، فوقفت عليه ، وسألني عن والدي ، فقلت له : يقبّل أيديكم ، ويسلّم عليكم ، فقال لي : تقدّم يا محمد ، واستند إلى هذه النخلة ، فإن شعيبا - يعني أبا مدين - عبد اللّه عندها ثلاث سنين ، ثم دخل خلوته زمانا ، ثم خرج فأمرني بالجلوس بين يديه ، ثم قال لي : يا محمد ، أبوك من أحبابنا وإخواننا ، إلّا أنك يا محمد ، إلّا أنك يا محمد ، فكانت هذه إشارة إلى ما امتحنت به من مخالطتي أهل الدنيا والتخليط ، ثم قال لي : يا محمد ، أنت مشوش « 3 » من جهة أبيك ، تتوهّم أنه مريض ، ومن بلدك ، أمّا أبوك فبخير وعافية ، وهو الآن عن يمين منبر رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلم ، وعن يمينه خليل المالكي ، وعن يساره أحمد قاضي مكة ، وأمّا بلدك ، فسمّ اللّه ، فخط دائرة في الأرض ، ثم قام فقبض إحدى يديه على الأخرى وجعلهما خلف ظهره يطوف بتلك الدائرة ، ويقول : تلمسان ، تلمسان ، حتى طاف بتلك الدائرة مرات ، ثم قال لي : يا محمد ، قد قضى اللّه الحاجة فيها ، فقلت له : كيف يا سيدي ؟ فقال : ستر اللّه إن شاء اللّه على من فيها من الذراري « 4 » والحريم ، ويملكها هذا الذي حصرها ، يعني السلطان أبا الحسن ، وهو « 5 » خير لهم ، ثم جلس وجلست بين يديه ، فقال لي : يا خطيب ، فقلت : يا سيدي ، عبدك ومملوكك ، فقال لي : كن خطيبا ، أنت الخطيب ، وأخبرني بأمور ، وقال لي : لا بدّ أن تخطب بالجامع الغربي ، وهو الجامع الأعظم بالإسكندرية ، ثم أعطاني شيئا من كعيكات صغار ، وزوّدني بها وأمرني بالرحيل . وأمّا خبر تلمسان فدخلها المريني كما ذكر ، وستر اللّه من فيها من الذراري والحريم ، وكان هذا المرشدي يتصرّف في الولاية كتصرّف سيدي أبي العباس السبتي ، نفعنا اللّه بهما ! . وللخطيب ابن مرزوق المذكور تأليف : منها شرحه الجليل على العمدة في خمسة
--> ( 1 ) ارق المنبر : اصعده . ( 2 ) القرى ، بكسر القاف : ما يقدم للضيف . ( 3 ) في ب - « متشوش » . ( 4 ) الذراري : جمع ذرية : نسل الإنسان . ( 5 ) في ب « فهو خير لهم » .