أحمد بن محمد المقري التلمساني
335
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
دانت « 1 » له الطاعة ، وأناخ راحلة الملك ، وحلب ضرع الدولة ، وخطب عروس الموهبة ، فأنشب ظفره في متات « 2 » معقود من لدن الأب ، مشدود من لدن التقرب « 3 » ، فاستحكم عن قرب ، واستغلظ عن كثب ، فاستولى على أمره ، وخلطه بنفسه ، ولم يستأثر عنه ببثّه ، ولا انفرد بما سوى بضع أهله ، بحيث لا يقطع في شيء إلّا عن رأيه « 4 » ، ولا يمحو ويثبت إلّا واقفا عند حدّه ، فغشيت بابه الوفود ، وصرفت إليه الوجوه ووقفت عليه الآمال ، وخدمته الأشراف ، وجلبت إلى سدّته بضائع العقول والأموال ، وهادته الملوك ، فلا تحدو « 5 » الحداة إلّا إليه ، ولا تحطّ الرّحال إلّا لديه ، إن حضر أجرى الرسم ، وأنفذ الأمر والنّهي ، لحظا أو سرارا أو مكاتبة ، وإن غاب تردّدت الرّقاع ، واختلفت الرّسل ، ثم انفرد أخيرا ببيت الخلوة ومنتبذ المناجاة من دونه مصطفّ « 6 » الوزراء ، وغايات الحجّاب ، فإذا انصرف تبعته الدنيا ، وسارت بين يديه الوزراء ، ووقفت ببابه الأمراء ، قد وسع الكلّ لحظه ، وشملهم بحسب الرّتب والأحوال رعيه ، ووسم أفذاذهم تسويده ، وعقدت ببنان علّيتهم بنانه . لكن رضا الناس الغاية التي لا تدرك ، والحسد بين بني آدم قديم ، وقبيل الملك مباين لمثله ، فطويت الجوانح على سل ، وحنيت الضلوع على بثّ ، وأغمضت « 7 » الجفون على قذّى ، إلى أن كان من نكبته الثالثة ما هو معروف ، جعلها اللّه له طهورا . ولمّا جرت الحادثة على الدولة بالأندلس وكان لحاق جميعنا بالمغرب جنيت ثمرة ما أسفته من وده ، فوفى الكيل ، وأشرك في الجاه ، وأدرّ الرّزق ، ورفع المجلس ، بعد التسبّب في الخلاص والسّعي في الجبر ، جبره اللّه تعالى ، وكان له أحوج ما يكون إلى ذلك يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [ الشعراء : 89 ] انتهى . [ خطاب من لسان الدين إلى ابن مرزوق حين قدم على بني مرين مفلتا من الأندلس ] وكتب ابن لسان الدين على هذا المحلّ ما صورته : هذا لسان أبي عليه في الغيبة والحضور ؛ انتهى . وممّا خاطبه به لسان الدين مهنّئا من طريق القدوم على الأبواب المرينية ، مفلتا من البلية
--> ( 1 ) في أ « دمث له الطاعة » وقد اخترنا ما في ب وهو الأفضل . ( 2 ) في أ « في مناب » وقد اخترنا ما في ب وهو الأفضل . ( 3 ) في ب « القرابة » . ( 4 ) في ب « إلا به وعن رأيه » . ( 5 ) لا تحدو الحداة إلا إليه : أي لا تشدّ الرحال لا لزيارته . ( 6 ) في ب « دونه معصّب » . ( 7 ) في ب « وأغضيت الجفون » .