أحمد بن محمد المقري التلمساني
32
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
التي تتكفل بعتق المال كما تكفلت بعتق الرقبة ، وشرع في المراح بميدان نعمتكم بعد اقتحام هذه العقبة ، لما شنفت الأذن البشرى التي لم يبق طائر إلّا سجع بها وصدح ، ولا شهاب دجنّة إلّا اقتبس من نورها واقتدح ، ولا صدر إلّا انشرح ، ولا غصن عطف إلّا سرح « 1 » ، بشرى الفتح القريب ، وخبر النصر الصحيح الحسن الغريب ، فتح تلمسان الذي قلّد المنابر عقود الابتهاج ، ووهب الإسلام منيحة النصر غنيّة عن الانتهاج ، وألحف الخلق ظلّا ممدودا ، وفتح باب الحجّ وكان مسدودا ، وأقرّ عيون أولياء اللّه الذين يذكرون اللّه قياما وقعودا ، وأضرع بسيق الحقّ جباها أبيّة وخدودا ، وملككم حقّ أبيكم الذي أهان عليه الأموال ، وخاض من دونه الأهوال ، وأخلص فيه الضراعة والسؤال ، من غير كدّ يغمز عطف المسرّة ، ولا جهد يكدر صفو النعم الثرة ، ولا حصر ينفض به المنجنيق ذؤابته ، ويظهر بتكرار الركوع إنابته . فالحمد للّه الذي أقال العثار ، ونظم بدعوتكم الانتثار « 2 » ، وجعل ملككم يجدّد الآثار ، ويأخذ الثار ، والعبد يهنئ مولاه ، بما أنعم اللّه تعالى به عليه وأولاه ، فإذا أجال العبيد قداح السرور فللعبد المعلّى والرقيب « 3 » ، وإذا استهمّوا حظوظ الجذل فلي القسم الوافر والنصيب ، وإذا اقتسموا فريضة شكر اللّه فلي الحظّ والتعصيب ، لتضاعف أسباب العبودية قبلي ، وترادف النعم التي عجز عنها قولي وعملي ، وتقاصر في ابتغاء مكافأتها وجدي وإن تطاول أملي ، فمقامكم المقام الذي نفّس الكربة « 4 » ، وآنس الغربة ، ورعى الوسيلة والقربة ، وأنعش الأرماق « 5 » ، وفكّ الوثاق ، وأدرّ الأرزاق ، وأخذ على الدهر بالاستقالة العهد والميثاق . وإن لم يباشر العبد اليد العالية بهذا الهناء ، ويمثّل بين يدي الخلافة العظيمة السنا والسّناء ، ويمدّ بسبب اليد إلى تلك السماء ، فقد باشر به اليد التي يحنّ مولاي لتذكر تقبيلها ، ويكمل فروض المجد بتوفية حقوقها الأبوية وتكميلها ، ووقفت بين يدي ملك الملوك الذي أجال عليها القداح ، ووصل في طلب وصالها بالمساء الصباح ، وكان فتحه إياها أبا عذرة الافتتاح ، وقلت : يهنيك يا مولاي ردّ ضالّتك المنشودة ، وجبر لقطتك المعرفة المشهودة ، ورد أمتك المودودة ، فقد استحقّها وارثك الأرضي ، وسيفك الأمضى ، وقاضي دينك ، وقرّة عينك ، مستنقذ دارك من يد غاصبها ، ورادّ رتبتك إلى مناصبها ، وعامر المثوى الكريم ، وساتر الأهل والحريم ، مولاي ، هذه تلمسان قد
--> ( 1 ) في ب « إلا مرح » . ( 2 ) الانتثار : التفرق والتشتت . ( 3 ) المعلى : أكبر قداح الميسر حظا . والرقيب يليه . ( 4 ) الكربة : الشدة . ( 5 ) الأرماق : جمع رمق ، وهو بقية النفس في الجسم .