أحمد بن محمد المقري التلمساني

293

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

وقال الشاطبي رحمه اللّه تعالى : لمّا توفي شيخنا الأستاذ الكبير ، العلم الخطير « 1 » ، أبو عبد اللّه بن الفخار سألت اللّه ، عزّ وجلّ ، أن يرينيه في المنام فيوصيني بوصيّة أنتفع بها في الحالة التي أنا عليها من طلب العلم ، فلمّا نمت في تلك الليلة رأيت كأني أدخل عليه في داره التي كان يسكن بها ، فقلت له : يا سيدي ، أوصني فقال لي : لا تعترض على أحد ، ثم سألني بعد ذلك في مسألة من مسائل العربية كالمؤنس لي ، فأجبته عنها ، ولا أذكرها الآن ؛ انتهى . وقال الشاطبي أيضا ما صورته : حدّثنا الأستاذ الكبير الشهير أبو عبد اللّه محمد بن الفخار شيخنا - رحمه اللّه تعالى ! - قال : حدّثني بسبتة بعض المذاكرين أنّ ابن خميس لمّا ورد عليها بقصد الإقراء بها اجتمع إليه عيون طلبتها ، فألقوا عليه مسائل من غوامض الاشتغال ، فحاد عن الجواب عنها بأن قال لهم : أنتم عندي كرجل واحد ، يعني أنّ ما ألقوا عليه من المسائل إنما تلقوها من رجل واحد ، وهو ابن أبي الربيع ، فكأنه إنما يخاطب رجلا واحدا ازدراء « 2 » بهم ، فاستقبله أصغر القوم سنّا وعلما بأن قال له : إن كنت بالمكان الذي تزعم فأجبني عن هذه المسائل من باب معرفة علامات الإعراب التي أذكرها لك ، فإن أجبت فيها بالصواب لم تحظ بذلك في نفوسنا « 3 » لصغرها بالنظر إلى تعاميك عن الإدراك والتحصيل ، وإن أخطأت فيها لم يسعك هذا البلد ، وهي عشر : الأولى : أنتم يا زيدون تغزون ، والثانية أنتنّ يا هندات تغزون ، والثالثة أنتم يا زيدون ويا هندات تغزون ، والرابعة أنتنّ يا هندات تخشين ، والخامسة أنت يا هند تخشين ، والسادسة أنت يا هند ترمين ، والسابعة أنتنّ يا هندات ترمين ، والثامنة أنتنّ يا هندات تمحون أو تمحين ، كيف تقول ؟ والتاسعة أنت يا هند تمحين أو تمحون ، كيف تقول ؟ والعاشرة أنتما تمحوان أو تمحيان ، كيف تقول ؟ وهل هذه الأفعال كلّها مبنية أو معربة أو بعضها مبني وبعضها معرب ؟ وهل هي كلّها على وزن واحد أو على أوزان مختلفة ؟ علينا السؤال وعليك التمييز لنعلم الجواب ، فبهت الشيخ ، وشغل المحلّ بأن قال : إنما يسأل عن هذا صغار الولدان ، قال له الفتى : فأنت دونهم إن لم تجب ، فانزعج الشيخ ، وقال : هذا سوء أدب ، ونهض منصرفا ، ولم يصبح إلّا بمالقة متوجّها إلى غرناطة حرسها اللّه تعالى ! ولم يزل بها مع الوزير ابن الحكيم إلى أن مات رحمة اللّه تعالى عليه ! انتهى . ثم قال الشاطبي : والجواب عن هذه المسائل ما يذكر : أمّا الجواب عن « تغزون » الأولى فإنه معرب ، ووزنه أصلا تفعلون ، ولفظا تفعون ، وعن الثانية فمبنيّ للحاق نون الإناث ووزنه

--> ( 1 ) العلم ، في الأصل : الجبل . ( 2 ) ازدراء بهم : احتقارا لهم واستهانة بشأنهم . ( 3 ) لم تحظ : لم تكن ذا حظوة ومنزلة في نفوسنا .