أحمد بن محمد المقري التلمساني
283
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
عنه . وله كلام عجيب في التصوّف ، وصنّف فيه ، كما هو الآن يقرأ على الناس مع كتب التذكير ، وله في ذلك قلم انفرد به ، وسلم له فيه بسببه ، ومن تصانيفه « شرح كتاب الحكم » لابن عطاء اللّه في سفر « 1 » ، رأيته وعلى ظهر نسخة منه مكتوب : [ البسيط ] لا يبلغ المرء في أوطانه شرفا * حتى يكيل تراب الأرض بالقدم « 2 » ومن كلامه فيه : الاستئناس بالناس ، من علامات الإفلاس ، وفتح باب الأنس بالله تعالى الاستيحاش من الناس . ومن كلامه فيه : من لازم الكون وبقي معه وقصر همّته عليه ولم تنفتح له طريق الغيوب الملكوتية ، ولا خلص له بسرّه إلى فضاء شهادة الوحدانية ، فهو مسجون بمحطاته « 3 » ، ومحصور في هيكل ذاته . إلى غير ذلك من كلامه . وكان يحضر السماع ليلة المولد عند السلطان ، وهو لا يريد ذلك ، وما رأيته قطّ في غير مجلس جالسا مع أحد ، وإنما حظّ من يراه الوقوف معه خاصا ، وكنت إذا طلبته في الدعاء « 4 » احمرّ وجهه واستحيا كثيرا ، ثم يدعو لي ، وأكثر تمتّعه من الدنيا بالطيب والبخور الكثير ، ويتولّى أمر خدمته بنفسه ، ولم يتزوّج ، ولم يملك أمة ، ولباسه في داره مرقّعة ، فإذا خرج سترها بثوب أخضر أو أبيض ، وله تلامذة كلّهم أخيار مباركون ، وبلغني عن بعضهم أنه تصدّق حين تاب على يده بعشرة آلاف دينار ذهبا ، وهو الآن إمام جامع القرويين بفاس وخطيبه ، وأكثر قراءته في صلاة الجمعة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وأكثر خطبته وعظ ، ومثله من يعظ الناس ؛ لأنه اتّعظ في نفسه ، وقد أوحى اللّه تعالى إلى عيسى ، عليه الصلاة والسلام : يا عيسى ، عظ نفسك فإن اتّعظت فعظ الناس ، وإلّا فاستحي مني ، ذكره الغزالي ؛ وعهدي به أنه على صفة البدلاء ، الصادقين النبلاء ، كثر اللّه مثله في الإسلام ؛ انتهى . قلت : وقد زرت قبره مرارا بفاس ، ودعوت اللّه تعالى عنده ، وهو عند أهل فاس بمثابة الشافعي عند أهل مصر ، ومن منن اللّه سبحانه عليّ أني سكنت محلّه لمّا توليت الخطابة والإمامة بجامع القرويين من فاس المحروسة مضافين إلى الفتوى ، والدار المعلومة للخطيب بالجامع المذكور إلى الآن تعرف بدار الشيخ ابن عباد ، وأقمت على ذلك خمس سنين وأشهرا ، ثم قوّضت الرحال « 5 » للمشرق ، وها أنا إلى الآن فيها ، واللّه ييسّر الخير حيث كان .
--> ( 1 ) السفر : المجلد الكبير . ( 2 ) يكيل تراب الأرض بالقدم : كناية عن الجد والدأب والرحلة في سبيل الهدف . ( 3 ) في ب « فضاء مشاهدة الوحدانية ، فهو مسجون بمحيطاته » . ( 4 ) في ب « إذا طلبته بالدعاء » . ( 5 ) قوض ، في الأصل : هدم . والرحال : جمع رحل وهو ما يوضع على الناقة للركوب عليه . وجاء المعنى هنا : قوضت الرحال أي جهزت الرحال للسفر نحو المشرق . وقد جاءت عادة العرب على استعمال عبارة « شددت الرحال » حين إرادة المعنى المستعمل هنا .