أحمد بن محمد المقري التلمساني

250

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

فنامت فأتاها آت في النوم بطعام وشراب ، فأكلت وشربت ، فلمّا أفاقت وجدت نفسها قد استغنت ، فهي على تلك الحال ، تؤتى في المنام بالطعام والشراب إلى الآن ، ولقد جعلها السلطان في موضع بقصره وحفظها بالعدول ومن يكشف عمّا عسى تجيء أمها به إذا أتت إليها أربعين يوما ، فلم يوقف لها على أمر ، بيد أني أردت أن يزاد في عدد العدول ، ويجمع إليهم الأطباء ، ومن يخوض في المعقولات من علماء الملل المسلمين وغيرهم ، ويوكل من نساء الفرق من يبالغ في كشف من يدخل إليها ، ولا يترك أحد يخلو بها ، وبالجملة يبالغ في ذلك ، ويستدام رعيها عليه سنة ؛ لاحتمال أن يغلب عليها طبع فتستغني في فصل دون فصل ، ثم يكتب هذا في العقود ، ويشاع أمره في العالم ، وذلك لأنه يهدم حكم الطبيعة الذي هو أضرّ الأحكام على الشريعة ، ويبين كيفية غذاء أهل الجنّة ، وأنّ الحيض ليس من فضلات الغذاء ، ويبطل التأثير والتولّد ، ويوجب أنّ الاقترانات بالعادات ، لا باللزوم ، وعند الأسباب « 1 » ، لا بها ، إلى غير ذلك ، إلّا أني لما أشرت بهذا انقسم من أشرت عليه بتبليغه إلى من لم يفهم ما قلت ومن لم يرفع به رأسا ؛ لإيثار الدنيا على الدين ، فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون . وقد ذكر أنّ امرأة أخرى كانت معها على تلك الحالة ، وحدّثني غير واحد من الثقات ممّن أدرك عائشة الجزيرية أنها كانت كذلك ، وأنّ عائشة بنت أبي يحيى اختبرتها أربعين يوما أيضا ، وكم من آية أضيعت ، وحجّة نسيت ، هذا ممّا لم يعرف مثله قبل المائة الثامنة ، وكذلك الوباء العام القريب فروطه ، يوشك أن يطول أمره ، فينسى ذكره ، ويكذب المحدّث به إذا انقضى عصره ، وكم فيه أيضا من أدلّة ، على أصول الملّة . ومنه - قال شيخ من صالحي الفقهاء في عصرنا بفاس : أبو زرهون عبد العزيز بن محمد القيرواني ، رحمه اللّه تعالى : مات فقير عندنا بالمئذنة ، فوجدوا عنده ربطة من دراهم ، فوضعوها عند المؤذن ، فلمّا نزل ليلحده « 2 » سقطت من جيبه في القبر ، ولم يشعر حتى واراه ، فكشف عنه ، فإذا الدراهم قد لصقت ببدنه درهما إلى درهم كالنجوم ، فحاول قلع واحد منها فقامت معه قطعة من لحمه ، وتبعها من ذلك المحلّ ريح منتنة ، قال الشيخ : فاطلعت على ذلك وشاهدته ثم ردّوا التراب عليه وانصرفوا . قال عبد اللّه بن إدريس لغيلان الممرور : متى تقوم الساعة ؟ قال : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ، غير أنه من مات فقد قامت قيامته ، قال : فالمصلوب يعذب عذاب القبر ؟

--> ( 1 ) مذهب أهل السنة أن اللّه يخلق المسبب عند وجود السبب ، ومذهب المعتزلة أن المسببات توجد بوجود أسبابها لكن بخلق اللّه تعالى ، وفرق بين المذهبين . ( 2 ) يلحده : يدفنه .