أحمد بن محمد المقري التلمساني
247
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
ثم قال : اكتبها ، فأخذت كتابا من كتبي وكتبتها فيه ، فلمّا أصبحت وجدت ذلك بخطّي على كتاب من كتبي ، فجلست في البيت إلى الزوال ، ثم خرجت ، فسألني إنسان عمّا رأيت البارحة ، فقلت : ما أخبرت أحدا ، فقال : قد شاعت رؤياك في الناس . الخواصّ : انتهيت إلى رجل مصروع ، فجعلت أؤذن في أذنه ، فناداني الشيطان من جوفه : دعني أقتله ، فإنه يقول بخلق القرآن . عمرو بن دينار : أدركت سبعة من الصحابة يقولون : من قال القرآن مخلوق فهو كافر ، قلت : قال مالك : يستتاب . ومنه : كان عضد الدولة يحبّ العلم والعلماء ، فكان مجلسه يحتوي على عدد منهم أكثرهم الفقهاء والمتكلّمون ، وكان يعقد لهم مجالس للمناظرة ، فقال لقاضيه بشر بن الحسن : إنّ مجلسنا خال عن عاقل من أهل الإثبات ينصر مذهبه ، فقال : إنما هم عامة يرون الخير وضدّه ، ويعتقدونهما جميعا ، وإنما أراد ذمّ القوم ، ثم أقبل يمدح المعتزلة ، فقال عضد الدولة : محال أن يخلو مذهب طبّق الأرض من ناصر فانظر ، قال : بلغني أنّ بالبصرة شيخا يعرف بأبي الحسن الباهلي ، وفي رواية بأبي بكر بن مجاهد ، وشابّا بابن الباقلّاني ، فكتب إليهما ، فلمّا وصل الكتاب قال الشيخ : قوم كفرة ؛ لأنّ الديلم كانوا روافض ، لا يحلّ لنا أن نطأ بساطهم ، فقال الشاب : كذا قال ابن كلاب والمحاسبي ومن في عصرهم : إنّ المأمون فاسق لا يحضر مجلسه ، حتى ساق أحمد بن حنبل إلى طرسوس ، وجرى عليه ما عرف ، ولو ناظروه لكفّوه عن هذا الأمر ، وتبيّن له ما هم عليه بالحجّة ، وأنت أيضا ، أيها الشيخ ، تسلك سبيلهم حتى يجري على الفقهاء ما جرى على أحمد ، ويقولون بخلق القرآن ونفي الرؤية ، وها أنا خارج إن لم تخرج ، قال الشيخ : إن شرح اللّه صدرك لهذا فأخرج ، فردّ اللّه به الكرة . حفظ من كلام النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، المنتقى والمرسل أمثال أمثال المنزل « 1 » ، ثم انتقى من ذلك صحة وفصاحة ما يبلغ حجم المصحف أو يربي عليه « 2 » ، فهل وجدت فيه ما يشبهه أو ينزع إليه ؟ أشهد أنه من عند اللّه ، تنزيل من لدنه . أول إعجاز القرآن الجهل بنوعه من جنس الكلام « 3 » ، فإنه لا يدخل في مضمار الشعر ،
--> ( 1 ) في ب « والمرسل أمثال المنزل » . ( 2 ) يربي عليه : يزيد . ( 3 ) أراد أن القرآن جنس متميز تمام التمييز عن أجناس كلام البشر ، فلا هو بشعر ولا هو بنثر ، ولا هو بسجع ولا هو بخطبة ولا هو بنثر مرسل ، ولا يمكن القول فيه إلا إنه القرآن ، كلام اللّه وحسب .