أحمد بن محمد المقري التلمساني

248

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

ولا ينخرط في سلك الخطب ، ولا المواعظ والمقامات والكتب ، ولا في شيء ممّا يؤلف التخاطب به ، وتعرف فيه طبقات أهل مذهبه ، فإن لم يتبيّن ما رسمت لك فاعرض كلامك في كلّ صنف من هذه الأصناف تجد لنفسك مع فحولة حاله القصور أو المماثلة أو الزيادة ، ولا تجد لكلامك نسبة إلى القرآن ، بل لا تدري ما تقول إن طلب منك البيان ، إلّا أن تسلب العقل ، كمسيلمة « 1 » وأمثاله ممن ابتلي بالهذيان ، وقد تفطن للدلالة كافر غلبت عليه الجهالة ، انظر السيرة . الزمخشري : ما أعجب شأن الضّلال ، لم يرضوا للنبوّة ببشر ، وقد رضوا للإلهية بحجر . سأل القاضي أبا بكر ملك الروم - حين وجّهه عضد الدولة إليه - عن انشقاق القمر ، كيف لم يره جميع الناس ؟ فقال : لأنهم لم يكونوا على أهبة ووعد ، قال : فما النسبة التي بينكم وبين القمر حتى لم يره غيركم من الروم وغيرهم ؟ قال : النسبة التي بينكم وبين المائدة حتى رأيتموها دون اليهود والمجوس ، فدعا القسيس ، فأقرّ للقاضي ، فقال له القاضي : أتقول إنّ الكسوف يراه جميع أهل الأرض أم أهل الإقليم الذي في محاذاته ؟ قال : لا يراه إلّا من في محاذاته ، قال : فما تنكر من لا يرى انشقاق القمر إلّا في تلك الناحية ممّن تأهّب لذلك « 2 » ؟ قال : هذا صحيح ، إلّا أنّ الشأن في مثله أن لا ينقل آحادا ، لكن تواترا ، بحيث يصل العلم الضروري به إلينا وإلى غيرنا ، وانتفاء ذلك يدلّ على افتعال الخبر ، فقال الملك للقاضي : الجواب ، فقال : يلزمه في نزول المائدة ما لزمنا في انشقاق القمر ، فبهت الذي كفر . قال ملك الروم للقاضي ابن الطيب في هذه الرسالة : ما تقول في المسيح ؟ قال : روح اللّه وكلمته وعبده ، قال : تقولون المسيح عبد ؟ قال : بذلك ندين ، قال : ولا تقولون إنه ابن اللّه ؟ قال : ما اتّخذ اللّه من ولد ، قال : العبد يخلق ويحيي ويبرئ ؟ قال : ما فعل المسيح ذلك قطّ ، قال : هذا مشهور في الخلق ، قال : لا ، قال : ما قال أحد من أهل المعرفة إنّ الأنبياء يفعلون المعجزات ، لكن اللّه تعالى يفعلها على أيديهم تصديقا لهم ، قال : إنّ ذلك في كتابكم ، قال : في كتابنا أنّ ذلك كلّه بإذن اللّه تعالى ، ولو جاز أن يكون ذلك فعل المسيح لجاز أن يقال إن موسى قلب العصا ، وأخرج يده بيضاء ، وفلق البحر ، قال : إنّ الأنبياء من لدن آدم كانوا يتضرّعون للمسيح حتى يفعل ما يطلبون ، قال : أفي لسان اليهود عظم لا يقولون معه

--> ( 1 ) مسيلمة : هو مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوّة في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم وقتل في حروب الردة زمن الصديق أبي بكر رضي اللّه عنه . ( 2 ) تأهب : استعد .