أحمد بن محمد المقري التلمساني

231

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

يتوقّعون له ذلك ، فلمّا وصل إلى الأحاديث قال بحضرة السلطان والجمهور : إنّ الأئمّة من قريش ، ثلاثا ، ويقول بعد كلّ كلمة : وغيرهم متغلّب ، ثم نظر إلى السلطان وقال له : لا عليك ، فإنّ القرشي اليوم مظنون ، أنت أهل للخلافة ، إذ بعض الشروط قد توفّرت فيك والحمد للّه ، فلمّا انصرف إلى منزله بعث له السلطان بألف دينار ؛ انتهى . قال أبو عبد اللّه بن الأزرق : قلت : ويلزم أيضا من اعتذاره أنّ قيام السلطان لذي الشرف المحقق بالعلم أولى بالمحافظة على تعظيم حرمات اللّه ، وقد روي عن بعض الأمراء أنه تكبّر على ذلك ، واستخفّ بمنزلة من عظم به غيره ، فسلبه اللّه ملكه وملك نبيه من بعده ؛ انتهى . ومن أجوبة مولاي الجدّ ، رحمه اللّه تعالى ، قوله : سألني السلطان عمّن ألزمته يمينا « 1 » على نفي العلم فحلف جهلا على البتّ ، هل يعيد أم لا ؟ فأجبته بإعادتها ، وقد كان من حضر من الفقهاء أفتوا بأن لا تعاد ؛ لأنه أتى بأكثر ممّا أمر به على وجه يتضمّنه ، فقلت له : اليمين على وجه الشك غموس « 2 » ، قال ابن يونس : والغموس : الحلف على تعمّد الكذب ، أو على غير يقين ، ولا شكّ أنّ الغموس محرّمة منهيّ عنها ، والنهي يدلّ على الفساد ، ومعناه في العقود عدم ترتب أثره ؛ فلا أثر لهذه اليمين ، ويجب أن تعاد ، وقد يكون من هذا اختلافهم فيمن إذنها السكوت ، فتكلّمت هل يجتزأ بذلك ؟ والإجزاء هنا أقرب ؛ لأنه الأصل ، والصمات رخصة لعلبة الحياء ، فإن قلت : البتّ أصل ، ونفي العلم إنما يعتبر عند تعذّره ، قلت : ليس رخصة كالصّمات . ومنها أنه قال : سألني بعض الفقهاء عن السبب في سوء بخت المسلمين في ملوكهم ، إذ لم يل أمرهم من يسلك بهم الجادّة « 3 » ويحملهم على الواضحة « 4 » ، بل من يغتر في مصلحة دنياه ، غافلا عن عاقبة أخراه ، فلا يرقب في مؤمن إلّا ولا ذمّة ، ولا يراعي عهدا ولا حرمة ، فأجبته بأنّ ذاك لأنّ الملك ليس في شريعتنا وذلك أنه كان فيمن قبلنا شرعا ، قال اللّه تعالى ممتنّا على بني إسرائيل وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً [ المائدة : 20 ] ولم يكن ذلك في هذه الأمة ، بل جعل لهم خلافة ، قال اللّه تعالى وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا

--> ( 1 ) في ب « عمن لزمته يمين » . ( 2 ) اليمين الغموس : الكاذبة . ( 3 ) الجادة : أراد الطريقة التي سار عليها السلف . ( 4 ) الواضحة : البينة التي لا لبس فيها .