أحمد بن محمد المقري التلمساني

232

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ [ النور : 55 ] وقال تعالى وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً [ ص : 247 ] وقال سليمان رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً [ ص : 35 ] فجعلهم اللّه تعالى ملوكا ، ولم يجعل في شرعنا إلّا الخلفاء ، فكان أبو بكر خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وإن لم يستخلفه نصّا ، لكن فهم الناس ذلك فهما ، وأجمعوا على تسميته بذلك ، ثم استخلف أبو بكر عمر ، فخرج بها عن سبيل الملك الذي يرثه الولد عن الوالد ، إلى سبيل الخلافة الذي هو النظر والاختيار ، ونصّ في ذلك على عهده ، ثم اتّفق أهل الشّورى على عثمان « 1 » ، فإخراج عمر لها عن بنيه إلى الشورى دليل على أنها ليست ملكا ، ثم تعين عليّ بعد ذلك ، إذ لم يبق مثله ، فبايعه من آثر الحقّ على الهوى ، واصطفى الآخرة على الدنيا ، ثم الحسن كذلك ، ثم كان معاوية أول من حوّل الخلافة ملكا ، والخشونة لينا ، ثم إنّ ربّك من بعدها لغفور رحيم ، فجعلها ميراثا ، فلمّا خرج بها عن وضعها لم يستقم ملك فيها ، ألا ترى أنّ عمر بن عبد العزيز ، رضي اللّه عنه ، كان خليفة لا ملكا ، لأنّ سليمان ، رحمه اللّه تعالى ، رغب عن بني أبيه « 2 » إيثارا لحقّ المسلمين ، ولئلّا يتقلّدها حيّا وميتا ، وكان يعلم اجتماع الناس عليه ، فلم يسلك طريق الاستقامة بالناس قطّ إلّا خليفة ، وأمّا الملوك فعلى ما ذكرت إلّا من قل ، وغالب أفعاله غير مرضية ؛ انتهى . وفوائد مولاي الجدّ وتحفه وطرفه ولطائفه ودقائقه يستدعي استقصاؤها مجلدات ، فلنكتف بما قدّمناه : [ البسيط ] وفي الإشارة ما يغني عن الكلم « 3 » [ مؤلفات المقري الكبير ] وأما تأليفه فكثيرة : منها كتاب « القواعد » اشتمل على ألف قاعدة ومائتي قاعدة ، قال العلّامة الوانشريسي « 4 » في حقّه : إنه كتاب غزير العلم ، كثير الفوائد ، لم يسبق إلى مثله ، بيد أنه يفتقر إلى عالم فتاح ؛ انتهى . وقد أشار فيه إلى مأخذ الأربعة ، وهو قليل بهذه الديار المشرقية ، ولم أر منه بمصر إلّا نسخة عند بعض الأصحاب ، وذكر أنها من أوقاف رواق المغاربة بالأزهر المعمور ، وأمّا قول

--> ( 1 ) أهل الشورى : الستة الذين عينهم عمر رضي اللّه عنه ليختاروا منهم واحدا يكون خليفة المسلمين ، وهم : علي ، وعثمان ، وطلحة ، والزبير ، وسعد ، وعبد الرحمن بن عوف ، رضي اللّه عنهم . ( 2 ) في ب « عن بني أمية » . ( 3 ) الكلم : الكلام . ( 4 ) في ب « الونشريسي » .