أحمد بن محمد المقري التلمساني

203

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

ولما دخل المغرب أدرك أبا العباس بن البناء ، فأخذ عنه ، وشافه كثيرا من علمائه ، قال لي : قلت لأبي الحسن الصغير : ما قولك في المهدي ؟ فقال : عالم سلطان ، فقلت له : قد أبنت عن مرادي . ثم سكن جبال الموحّدين ، ثم رجع إلى فاس ، فلمّا افتتحت تلمسان لقيته بها ، فأخذت عنه ، فقال لي الأبلي : كنت يوما مع القاسم بن محمد الصنهاجي ، فوردت عليه طومارة من قبل القاضي أبي الحجاج الطرطوشي فيها : [ السريع ] خيرات ما تحويه مبذولة * ومطلبي تصحيف مقلوبها فقال لي : ما مطلبه ؟ فقلت : نارنج . دخل على الأبلي وأنا عنده بتلمسان الشيخ أبو عبد اللّه الدباغ المالقي المتطبّب فأخبرنا أنّ أديبا استجدى وزيرا بهذا الشطر : [ السريع ] ثم حبيب قلّما ينصف فأخذته فكتبته ، ثم قلبته وصحّفته ، فإذا هو : قصبتا ملف شحمي . ومرّ الدباغ علينا يوما بفاس ، فدعاه الشيخ ، فلباه ، فقال : حدّثنا بحديث اللظافة ، فقال : نعم ، حدّثني أبو زكريا بن السراج الكاتب بسجلماسة أنّ أبا إسحاق التلمساني وصهره مالك بن المرحل ، وكان ابن السراج قد لقيهما ، اصطحبا في مسير ، فآواهما الليل إلى مجشر ، فسألا عن صاحبه ، فدلّا ، فاستضافاه فأضافهما ، فبسط قطيفة بيضاء ، ثم عطف عليهما بخبز ولبن ، وقال لهما : استعملا من هذه اللظافة حتى يحضر عشاؤكما ، وانصرف ، فتحاورا في اسم اللظافة لأي شيء هو منهما حتى ناما ، فلم يرع أبا إسحاق إلّا مالك يوقظه ويقول : قد وجدت اللظافة ، قال : كيف ؟ قال : أبعدت في طلبها حتى وقعت بما لم يمرّ قطّ على مسمع هذا البدوي فضلا عن أن يراه ، ثم رجعت القهقرى حتى وقعت على قول النابغة : [ الكامل ] بمخضّب رخص كأنّ بنانه * عنم يكاد من اللطافة يعقد « 1 » فسنح لبالي أنه وجد اللطافة ، وعليها مكتوب بالخطّ الرقيق اللّين ، فجعل إحدى النقطتين للطاء فصارت اللطافة اللضافة واللين اللبن وإن كان قد صحّف عنم بغنم ، وظنّ أن يعقد جبن ، فقد قوي عنده الوهم ، فقال أبو إسحاق : ما خرجت عن صوبه ، فلمّا جاء سألاه ، فأخبر أنها اللبن ، واستشهد بالبيت كما قال مالك .

--> ( 1 ) المخضب : أراد المخضوب بالحناء . والرخص - بفتح الراء وسكون الخاء - الناعم الطري . والبنان : أطراف الأصابع . والعنم - بفتح العين والنون جميعا : شجر لين الأغصان تشبه به أصابع الفتيات .