أحمد بن محمد المقري التلمساني
202
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
ساقيه « 1 » دائرة وجميع قواديسها « 2 » يصب في نقير في وسطها ، فجاء ليشرب ، فلمّا اغترف الماء إذا فيه فرث ودم فأرسله ، ثم اغترف فإذا هو كذلك ، ثلاثا أو أكثر ، فعدل عنه ، فرأى حصة ماء وشرب منها ، ثم استيقظ وهو النهار ، فأخبره ، وقال : إن صدقت رؤياك فنحن عمّا قليل خارجون من هذا المكان ، قال : كيف ؟ قال : الساقية « 3 » الزمان ، والنقير السلطان ، وأنت جرائحي تدخل يدك في جوفه فينالها الفرث والدم ، وهذا ما لا تحتاج معه ، فلم يكن إلّا ضحوة النهار ، وإذا النداء عليه ، فأخرج فوجد السلطان مطعونا بخنجر ، فأدخل يده فنالها الفرث والدم ، فخاط جراحته ، ثم خرج ، فرأى حصة ماء ، فغسل يديه وشرب ، ثم لم يلبث السلطان أن توفي ، وسرّحوا . وتعداد أهل هذه الصفة يكثر ، فلنصفح عنهم « 4 » ، ولنختم فصل من لقيته بتلمسان بذكر رجلين هما بقيد الحياة أحدهما عالم الدنيا ، والآخر نادرتها . [ أبو عبد اللّه محمد بن إبراهيم العبدري ] أمّا العالم فشيخنا ومعلّمنا العلامة أبو عبد اللّه محمد بن إبراهيم بن أحمد العبدري الأبلي ، التلمساني ؛ سمع جدّه لأمّه أبا الحسين بن غلبون المرسي القاضي بتلمسان ، وأخذ عن فقهائها أبي الحسين التنسي وابني الإمام ، ورحل في آخر المائة السابعة فدخل مصر والشام والحجاز والعراق ، ثم قفل « 5 » إلى المغرب فأقام بتلمسان مدة ، ثم فرّ أيام أبي حم « 6 » موسى بن عثمان إلى المغرب . حدّثني أنه لقي أبا العباس أحمد بن إبراهيم الخياط شقيق شيخنا أبي عثمان المتقدّم ذكره ، فشكا له ما يتوقّعه من شرّ أبي حم « 7 » ، فقال له : عليك بالجبل ، فلم يدر ما قال ، حتى تعرّض له رجل من غمارة ، فعرض عليه الهروب به ، قال : فخفت أن يكون أبو حم « 8 » قد دسّه عليّ ، فتنكّرت له ، فقال لي : إنما أسير بك على الجبل ، فتذكّرت قول أبي إسحاق ، فواطأته ، وكان خلاصي على يده ، قال : ولقد وجدت العطش في بعض مسيري به ، حتى غلظ لساني واضطربت ركبتاي ، فقال لي : إن جلست قتلتك لئلّا أفتضح بك ، فكنت أقوّي نفسي ، فمرّ على بالي في تلك الحالة استسقاء عمر بالعباس ، وتوسّله به ، فواللّه ما قلت شيئا حتى رفع لي غدير ماء ، فأريته إياه ، فشربنا ونهضنا .
--> ( 1 ) في ب « سانية دائرة » . ( 2 ) القواديس : جمع قادوس ، وهو وعاء تخرج به الناعورة الماء من الساقية أو البئر . ( 3 ) في ب « السانية الزمان » . ( 4 ) نصفح عنهم : نتركهم ونضرب عن ذكرهم . ( 5 ) ثم قفل إلى الغرب : رجع ، عاد . ( 6 ) في ب « حمّو » . ( 7 ) في ب « حمّو » . ( 8 ) في ب « حمّو » .