أحمد بن محمد المقري التلمساني
184
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
فأجابه أبو زيد بجواب لم يقنعه ، وكنت قد قرأت على الأستاذ بعض « التنقيح » فقلت : زعم القرافي أنّ المشتقّ إنما يكون حقيقة في الحال ، مجازا في الاستقبال ، مختلفا فيه في الماضي ، إذا كان محكوما به ، أمّا إذا كان متعلّق الحكم كما هنا فهو حقيقة مطلقا إجماعا ، وعلى هذا التقرير لا مجاز ، فلا سؤال ، لا يقال : إنه احتجّ على ذلك بما فيه نظر ؛ لأنّا نقول : إنه نقل الإجماع ، وهو أحد الأربعة التي لا يطالب مدّعيها بالدليل ، كما ذكر أيضا ، بل نقول : إنه أساء حيث احتجّ في موضع الوفاق ، كما أساء اللخمي وغيره في الاحتجاج على وجوب الطهارة ونحوها « 1 » ، بل هذا أشنع ، لكونه ممّا علم من الدين بالضرورة ، ثم إنّا لو سلّمنا نفي الإجماع فلنا أن نقول : إنّ ذلك إشارة إلى ظهور العلامات التي يعقبها الموت عادة ؛ لأنّ تلقينه قبل ذلك إن لم يدهش فقد يوحش ، فهو تنبيه على وقت التلقين : أي لقّنوا من تحكمون بأنه ميت ، أو نقول : إنما عدل عن الاحتضار لما فيه من الإبهام ، ألا ترى اختلافهم فيه : هل أخذ من حضور الملائكة ، أو حضور الأجل ، أو حضور الجلّاس ، ولا شكّ أنّ هذه حالة خفيّة يحتاج في نصبها دليلا على الحكم إلى وصف ظاهر يضبطها ، وهو ما ذكرناه ، أو من حضور الموت ، وهو أيضا ممّا لا يعرف بنفسه ، بل بالعلامات ، فلمّا وجب اعتبارها وجب كون تلك التسمية إشارة إليها ، واللّه تعالى أعلم . كان أبو زيد يقول فيما جاء من الأحاديث من معنى قول ابن أبي زيد « وإذا سلّم الإمام فلا يثبت بعد سلامه ولينصرف » : إن ذلك بعد أن ينتظر بقدر ما يسلّم من خلفه ، لئلّا يمر بين يدي أحد ، وقد ارتفع عنه حكمه ، فيكون كالداخل مع المسبوق ، جمعا بين الأدلة ، قلت : وهذا من ملح الفقيه . اعترض عند أبي زيد قول ابن الحاجب « ولبن الآدمي والمباح طاهر » بأنه إنما يقال في الآدمي لبان ، فأجاب بالمنع ، واحتجّ بقول النبي ، صلّى اللّه عليه وسلم ، « اللبن للفحل » وأجيب بأنّ قوله ذلك لتشريكه المباح معه في الحكم ؛ لأنّ اللبان خاصّ به ، وليس موضع تغليب ؛ لأنّ اللبان ليس بعاقل ، ولا حجة على تغليب ما يختصّ بالعاقل . تكلّم أبو زيد يوما في مجلس تدريسه في الجلوس على الحرير ، فاحتجّ إبراهيم السلوي للمنع بقول أنس : « فقمت إلى حصير لنا قد اسودّ من طول ما لبس » فمنع أبو زيد أن يكون إنما
--> ( 1 ) إنما يكون الاستدلال على المتفق عليه إساءة أن لو كان الفرض من الاستدلال مقصورا على إقامة الحجة على الخصم ، أما وليس الغرض من الاستدلال قصرا على ذلك بل يكون لبيان المستند من كلام صاحب الشريعة ، وأنه ليس مما ساق الرأي إليه فلا إساءة فيه .