أحمد بن محمد المقري التلمساني

183

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

القياس ، ولا شكّ أنه لا يلزم أحدا أن يحرم قبل ميقاته وهو يمرّ به ، لكن من ليس من أهل الجحفة لا يمرّ بميقاته إذا مرّ بالمدينة ، فوجب عليه الإحرام من ميقاتها ، بخلاف أهل الجحفة ، فإنها بين أيديهم ، وهم يمرّون عليها ، فوقعت من نفوس أهل البلد بسبب ذلك ، فلمّا عرفت أتاني آت من أهل المغرب فقال لي : تعلم أنّ مكانك في نفوس أهل هذا البلد مكين ، وقدرك عندهم رفيع ، وأنا أعلم انقباضك « 1 » عن ابني الإمام ، فإن سئلت فانتسب لهما ، فقد سمعت منهما ، وأخذت عنهما ، ولا تظهر العدول عنهما إلى غيرهما فتضع من قدرك ، فإنما أنت عند هؤلاء الناس خليفتهما ووارث علمهما وأن لا أحد فوقهما : [ الطويل ] وليس لما تبني يد اللّه هادم وشهدت مجلسا بين يدي السلطان أبي تاشفين عبد الرحمن بن أبي حم « 2 » ذكر فيه أبو زيد ابن الإمام أنّ ابن القاسم مقلّد مقيّد النظر بأصول مالك ، ونازعه أبو موسى عمران بن موسى المشدّالي ، وادّعى أنه مطلق الاجتهاد ، واحتج له بمخالفته لبعض ما يرويه ويبلغه عنه لما ليس من قوله ، وأتى من ذلك بنظائر كثيرة ، قال : فلو تقيد بمذهبه لم يخالفه لغيره ، فاستظهر أبو زيد بنصّ لشرف الدين التلمساني مثّل فيه الاجتهاد المخصوص باجتهاد ابن القاسم بالنظر إلى مذهب مالك والمزني إلى الشافعي ، فقال عمران : هذا مثال ، والمثال لا تلزم صحته ، فصاح به أبو موسى ابن الإمام وقال لأبي عبد اللّه بن أبي عمرو : تكلّم ، فقال : لا أعرف ما قال هذا الفقيه ، الذي أذكره من كلام أهل العلم أنه لا يلزم من فساد المثال فساد الممثّل ، فقال أبو موسى للسلطان : هذا كلام أصولي محقق ، فقلت لهما وأنا يومئذ حديث السنّ : ما أنصفتما الرجل ، فإن المثل « 3 » كما تؤخذ على جهة التحقيق كذلك تؤخذ على جهة التقريب « 4 » ، ومن ثمّ جاء ما قاله هذا الشيخ ، أعني ابن أبي عمرو ، وكيف لا وهذا سيبويه يقول : وهذا مثال ولا يتكلّم به ، فإذا صحّ أنّ المثال قد يكون تقريبا فلا يلزم صحة المثال ولا فساد الممثّل لفساده ، فهذان القولان من أصل واحد . وشهدت مجلسا آخر عند هذا السلطان قرىء فيه على أبي زيد ابن الإمام حديث « لقّنوا موتاكم لا إله إلّا اللّه » في صحيح مسلم ، فقال له الأستاذ أبو إسحاق بن حكم السلوي : هذا الملقّن محتضر حقيقة ميت مجازا ، فما وجه ترك محتضريكم إلى موتاكم ، والأصل الحقيقة ؟

--> ( 1 ) انقباضك : أي امتناعك . ( 2 ) في ب « أبي حمّو » . ( 3 ) المثل ، بضمتين : جمع مثال ، بزنة كتاب وكتب . ( 4 ) في ب « على طريق التقريب » .