أحمد بن محمد المقري التلمساني
182
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
عبد اللّه الرندي : لما أزمع « 1 » الفقيه ومن أطلق معه على القفول إلى تلمسان بتّ على تشييعهم ، فرأيتني كأني نظمت هذا البيت في المنام : [ الطويل ] وعند وداع القوم ودّعت سلوتي * وقلت لها بيني فأنت المودّع فانتبهت وهو في فيّ ، فحاولت قريحتي بالزيادة عليه فلم يتيسّر لي مثله . ولمّا استحكم ملك أبي تاشفين واستوثق رحل الفقيهان إلى المشرق في حدود العشرين وسبعمائة فلقيا علاء الدين القونوي ، وكان بحيث إني لمّا رحلت فلقيت أبا علي حسين بن حسين ببجاية قال لي : إن قدرت أن لا يفوتك شيء من كلام القونوي حتى تكتب جميعه فافعل ، فإنه لا نظير له ، ولقيا أيضا جلال الدين القزويني صاحب البيان ، وسمعا صحيح البخاري على الحجار ، وقد سمعته أنا عليهما ، وناظرا تقي الدين بن تيمية ، وظهرا عليه « 2 » ، وكان ذلك من أسباب محنته ، وكانت له مقالات فيما يذكر وكان شديد الإنكار على الإمام فخر الدين ، حدّثني شيخي العلّامة أبو عبد اللّه الأبلي أنّ عبد اللّه بن إبراهيم الزموري أخبره أنه سمع ابن تيمية ينشد لنفسه : [ البسيط ] محصّل في أصول الدين حاصله * من بعد تحصيله علم بلا دين أصل الضلالة والإفك المبين ، فما * فيه فأكثره وحي الشياطين « 3 » قال : وكان في يده قضيب ، فقال : واللّه لو رأيته لضربته بهذا القضيب هكذا ، ثم رفعه ووضعه . وبحسبك ممّا طار لهذين الرجلين من الصيت بالمشرق أني لمّا حللت بيت المقدس وعرف به مكاني من الطلب ، وذلك أني قصدت قاضيه شمس الدين بن سالم ليضع لي يده على رسم أستوجب به هنالك حقّا ، فلمّا أطللت عليه عرّفه بي بعض من معه ، فقام إليّ حتى جلست ، ثم سألني بعض الطلبة بحضرته فقال لي : إنكم معشر المالكية تبيحون للشاميّ يمرّ بالمدينة أن يتعدّى ميقاتها إلى الجحفة ، وقد قال رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلم ، بعد أن عيّن المواقيت لأهل الآفاق « هنّ لهن ، ولمن مرّ عليهن من غير أهلهن » وهذا قد مرّ على ذي الحليفة وليس من أهله فيكون له ، فقلت له : إنّ النبيّ ، صلّى اللّه عليه وسلم ، قال « من غير أهلهن » أي من غير أهل المواقيت ، وهذا سلب كلّي ، وإنه غير صادق على هذا الفرد ، ضرورة صدق نقيضه وهو الإيجاب الجزئي عليه ؛ لأنه من بعض أهل المواقيت قطعا ، فلمّا لم يتناوله النصّ رجعنا إلى
--> ( 1 ) أزمع على الأمر : عزم عليه . والقفول : الرجوع والعودة . ( 2 ) ظهرا عليه : تغلبا عليه وفاقاه . ( 3 ) الإفك : الكذب والافتراء .