أحمد بن محمد المقري التلمساني

168

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

والآخر أبو العباس أحمد « 1 » ، قال الراعي في كتابه « الفتح المنير ، في بعض ما يحتاج إليه الفقير » ما نصّه : حكاية تتعلّق بالانقطاع ، نسأل اللّه تعالى العافية : وقع للسيد الشريف قاضي الجماعة بغرناطة أبي المعالي ابن السيد الشريف أبي القاسم الحسني شارح الخزرجية ومقصورة حازم نفع اللّه تعالى بسلفهم الكريم ، وكانت أم السيد أبي المعالي حسينية ، فكان شريفا من الجهتين ، أنه كان قد ترك كبار الوظائف والرياسات ، وتجرّد للعبادة ، ولبس المرقّعة ، وسلك طريق القوم ، وكان من الدين والعلم والتعظيم في قلوب أهل الدنيا وأهل الآخرة على جانب عظيم ، يشار إليه بالأصابع ، وكان أخوه شيخي وأستاذي أبو العباس أحمد قاضيا بشرقي الأندلس فكان أخوه أبو المعالي المذكور لا يأكل في بيت شقيقه شيئا لأجل ذلك ، ولعيشه من خدم السلطان ، وكان إذا احتاج إلى الطعام وهو في بيت أخيه أعطاني درهما من عنده أشتري له به ما يأكل ، وأقام على هذه الحالة الحسنة سنين كثيرة ، ثم إنه دخل يوما على الفقراء بزاوية المحروق من ظاهر غرناطة ، وكان شيخ الفقراء بها في ذلك الوقت الشيخ أبا جعفر أحمد المحدود ، فقال لهم : يا سادتي ، إنه كان معي قنديل أستضيء به ، ففقدته « 2 » في هذه الأيام ، وما بقيت أبصر شيئا ، فقال له شيخهم المذكور : يا شريف ، أول رجل يدخل علينا في هذا المجلس يجيبك عن مسألتك ، فدخل عليهم رجل من خيارهم من أهل البادية ، فسلّم وجلس ، فقال له الشيخ : إنّ الشريف يسأل الجماعة « 3 » ، فقلت له : أول رجل يدخل علينا يجبيك ، فوفقت أنت ، فأجبه عن مسألته ، فقال له : ما سؤالك يا شريف ؟ فقال : إنه كان لي قنديل أستضيء به ففقدته ، وما بقيت أبصر شيئا ، فقال له الفقير : هذا لا يصدر إلّا عن سوء أدب ، أخبرنا بما وقع منك ، فقال له الشريف : ما أعلم أنه وقع مني شيء ، غير أنّ المباشر فلانا طلبه السلطان للمصادرة ، فاستخفى منه ، فمررت ببابه يوما ، فناداني من شقّة الباب : يا سيدي ، اجعل خاطرك معي للّه تعالى ، فقلت له : اذكر الذكر الفلاني ، قلت : وأنا أظنّ أنه أمره بذكر اسمه تعالى اللطيف فإنه سريع الإجابة في تفريج الشدائد والكرب ، نصّ عليه البوني في منتخبه ، وهو مجرّب في ذلك ، وقد رواه لي عن بعض مشايخه السيد الشريف أحمد أخوه ، فقال له الفقير : هل كان أذن لك في تلقينه ؟ قال : لا ، قال له الفقير : لا يعود إليك نورك أبدا ؛ لأنك قد أسأت الأدب ، فكان كما قال ، فانقطع وولي بعده قضاء الجماعة ، وعزل عن سخط ، وخدم الملوك ، وأكل طعامهم ، وحالته أوّلا وآخرا معروفة بغرناطة ، نسأل اللّه تعالى أن لا يجعلنا من المطرودين عن باب رحمته بمنّه وكرمه ! انتهى كلام الراعي رحمه اللّه تعالى .

--> ( 1 ) انظر ترجمته في الكتيبة الكامنة ص 301 . ( 2 ) في ب « فقدته » . ( 3 ) في ب « سأل الجماعة » .