أحمد بن محمد المقري التلمساني

155

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

وللوزير إلى آرائهم ميل * لذاك ما كثرت فيهم علائقه فبادر الحزم في إطفاء نارهم * فربما عاق عن أمر عوائقه هم العدوّ ومن والاهم كهم * فاحذر عدوّك واحذر من يصادقه اللّه يعلم أني ناصح لكم * والحقّ أبلج لا تخفى طرائقه [ من اعتذارات ابن عطية لعبد المؤمن بن علي ] قالوا : ولما وقف عبد المؤمن على هذه الأبيات البليغة في معناها وغر صدره على وزيره أبي جعفر ، وأسرّ له في نفسه تغيّرا ، فكان من أقوى أسباب نكبته . وقيل : أفضى إليه بسرّ فأفشاه ، وانتهى ذلك كلّه إلى أبي جعفر وهو بالأندلس ، فقلق وعجّل الانصراف إلى مراكش ، فحجب عند قدومه ، ثم قيد إلى المسجد في اليوم بعده حاسر العمامة ، واستحضر الناس على طبقاتهم ، وقرروا على ما يعلمون من أمره ، وما صار إليه منهم ، فأجاب كلّ بما اقتضاه هواه ، وأمر بسجنه ، ولفّ معه أخوه أبو عقيل عطية ، وتوجّه في إثر ذلك عبد المؤمن إلى زيارة تربة المهدي محمد بن تومرت ، فاستصحبهما منكوبين بحال ثقاف . وصدرت عن أبي جعفر في هذه الحركة ، من لطائف الأدب ، نظما ونثرا في سبيل التوسّل بتربة إمامهم المهدي عجائب لم تجد شيئا مع نفوذ قدر اللّه تعالى فيه . ولما انصرف من وجهته أعادهما معه ، قافلا إلى مراكش ، فلمّا حاذى تاقمرت ، أنفذ الأمر بقتلهما بالشّعراء المتّصلة بالحصن على مقربة من الملاحة هنالك ، فمضيا لسبيلهما ، رحمهما اللّه تعالى ! . وممّا خاطب به الخليفة عبد المؤمن مستعطفا له من رسالة تغالى فيه فغالته المنيّة ، ولم ينل الأمنية ، وهذه سنّة اللّه تعالى فيمن لم يحترم جناب الألوهية ، ولم يحرس لسانه من الوقوع فيما يخدش في وجه فضل الأنبياء على غيرهم وعصمتهم ، قوله سامحه اللّه : تاللّه لو أحاطت بي كلّ خطيئة ، ولم تنفكّ نفسي عن الخيرات بطيئة ، حق سخرت بمن في الوجود ، وأنفت لآدم من السجود ، وقلت : إنّ اللّه تعالى لم يوح ، في الفلك لنوح ، وبريت لقدار ثمود نبلا « 1 » ، وأبرمت لحطب نار الخليل حبلا ، وحططت عن يونس شجرة اليقطين ، وأوقدت مع هامان على الطين ، وقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها ، وافتريت على العذراء البتول « 2 » فقذفتها ، وكتبت صحيفة القطيعة بدار النّدوة « 3 » ، وظاهرت الأحزاب بالقصوى من العدوة ، وذممت كلّ قرشي ، وأكرمت لأجل وحشي « 4 » كلّ حبشي ، وقلت : إنّ بيعة السقيفة ، لا توجب إمامة الخليفة ،

--> ( 1 ) قدار ثمود : عاقر ناقة صالح . ( 2 ) العذراء البتول : مريم أم عيسى عليه السلام . ( 3 ) صحيفة القطيعة : التي كتبتها قريش وعلقتها في الكعبة لمقاطعة بني هاشم رهط الرسول . ( 4 ) وحشي : قاتل حمزة عم الرسول صلّى اللّه عليه وسلم في غزوة أحد . وقد أسلم فيما بعد ، وقتل مسيلمة الكذاب .