أحمد بن محمد المقري التلمساني

154

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

وأجرا جزيلا ، فلا شيء أمحى للسيئة من الحسنة ، ولا أقتل للشّرّ من الخير ، ورحم اللّه الشاعر إذ يقول : [ الكامل ] وطعنتهم بالمكرمات وباللّها * في حيث لو طعن القنا لتكسّرا « 1 » وقد تذكرت هنا قول الأديب أبي عبد اللّه محمد بن أحمد التجاني رحمه اللّه تعالى ورضي عنه : [ الطويل ] أتعجب أن حطّت يد الدهر فاضلا * عن الرتبة العليا فأصبح تحتها أما هذه الأشجار تحمل أكلها * وتسقط منه كلّ ما طاب وانتهى [ نكبة عبد المؤمن بن علي للوزير أبي جعفر بن عطية ] وحكى غير واحد من مؤرخي الأندلس أنّ الكاتب الشهير الوزير أبا جعفر بن عطية القضاعي « 2 » لمّا تغيّر له عبد المؤمن وتذاكر مع بعض من أهل العلم أبيات ابن عمار السابقة ، قال : ما كان المعتمد إلّا قاسي القلب حيث لم تعطفه هذه الأبيات إلى العفو ، ووقع لابن عطية المذكور مثل قضية ابن عمار ، واستعطف فما نفع ذلك وقتل رحمه اللّه تعالى ، ولنلمّ بذلك فنقول : كان أبو جعفر هذا من أهل مراكش ، وأصله القديم من طرطوشة ، ثم بعد من دانية وهو ممّن كتب عن علي بن يوسف بن تاشفين أمير لمتونة ، وعن ابنيه تاشفين وإسحاق ، ثم استخلصه لنفسه سالب ملكهم عبد المؤمن بن علي ، وأسند إليه وزارته ، فنهض بأعبائها ، وتحبب إلى الناس بإجمال السعي والإحسان ، فعمت صنائعه « 3 » ، وفشا معروفه ، وكان محمود السيرة ، مبخّت المحاولات ، ناجح المساعي ، سعيد المآخذ ، ميسّر المآرب ، وكانت وزارته زينا للوقت ، وكمالا للدولة . وفي أيام توجّهه للأندلس وجد حسّاده السبيل إلى التدبير عليه والسعي به ، حتى أوغروا صدر الخليفة عبد المؤمن عليه ، فاستوزر عبد السلام بن محمد الكومي ، وانبرى لمطالبة ابن عطية ، وجدّ في التماس عوراته ، وتشنيع سقطاته ، وطرحت بمجلس السلطان أبيات منها : [ البسيط ] قل للإمام أطال اللّه مدّته * قولا تبين لذي لبّ حقائقه « 4 » إنّ الزراجين قوم قد وترتهم * وطالب الثأر لم تؤمن بوائقه « 5 »

--> ( 1 ) اللها : العطايا ، ومن كلامهم « اللها تفتح اللها » أي العطايا تنطق الألسنة بالثناء . ( 2 ) انظر الإحاطة ج 1 ص 132 . ( 3 ) الصنائع : جمع صنيعة وهي المعروف . ( 4 ) ذو اللب : صاحب العقل . ( 5 ) الزراجين : لقب أطلقه الموحدون على الملثمين تشبيها لهم بطائر أسود البطن أبيض الريش يقال له الزرجان . والبوائق : المهالك .