أحمد بن محمد المقري التلمساني
130
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
حرق لسان الدين به حين أخرجه بعض أعدائه من حفرته كما مرّ ، وليس كذلك ، وإنما سمي باب المحروق من دولة الموحدين ، قبل أن يوجد لسان الدين ولا أبوه ، بسبب ثائر ثار على الدولة ، فأمسك وأحرق في ذلك المحلّ ، واللّه غالب على أمره . وحصل لي من الخشوع والحزن عند زيارة قبره - رحمه اللّه تعالى ! - ما لا مزيد عليه ، جعل اللّه له تلك المحن كفّارة وطهرة ، فإنه كان آية اللّه علما وجلالة وحكمة وشهرة . [ رسالة لبعض أهالي المغرب في العزاء بأبي جعفر بن جبير ] وقد تذكّرت عند كتبي هذا المحلّ رسالة كتبها بعض أئمة المغرب في عزاء الوزير الشهير أبي جعفر بن جبير الأندلسي رحمه اللّه تعالى إلى بنيه ، وهي ممّا يصلح أن يوصف بمثلها لسان الدين رحمه اللّه تعالى ، وفيها عزاء بمن مضى ، ونصّها : « عزاء يا كواكب الهدى ، في بدركم الذي تحيّفه « 1 » الردى ، وفجع به الفضل والندى ، فقل للشّهب أن تنكدر على فراقه ، وللصبح أن يخبو نور إشراقه ، وللريح أن تمزّق صدارا ، وللأهلّة أن لا تعرف إبدارا ، ولليل أن يشتمل خميصة الحزن ، وللسماء أن تبكيه بأدمع المزن ، وللرعد أن ينتحب لوفاته ، وللبرق أن يحكي برجفاته أفئدة عفاته « 2 » ، وللثريّا أن ينفصم سوارها ، وللشمس أن تنكسف أنوارها ، وللنثرة أن تنثر كواكبها ، وللجوزاء أن تنفض مناكبها ، وللنيّرات أن ترفضّ مواكبها ، وللرامح أن يبيت أعزلا ، وللبدر أن لا يألف منزلا ، وللمجرّة أن يفيض دمعا نهرها ، وللغميصاء أن يطّرد بكاؤها وسهرها ، وللروض أن يفارق إمراعه ، وللأورق أن يهتف بما راعه ، وللغصون أن تنهصر لهتفه ، وتتقصف أسفا على حتفه . ولكن هو الحمام يختل ويختر ، ولا يحفل بمن يتر ، يعدم ما أوجده الكون ، ويذيل من أكنفه الصون ، وأين بنا عن مكافح لا نقاتله ، ورام أرواحنا مقاتله ، لا يدبه ناصرة ، وعزمته قاصرة للقياصرة ، ويمينه كاسرة للأكاسرة ، لم يبق من رسم ، لطسم ، ولا من إحسان ، لغسان ، ولا من أياد ، لإياد ، ولا من سلطان ، لقحطان ، ولا من نجيب ، لتجيب ، ولا شرف ضخم ، للخم ، لم يكن له عن اليمنيين إقصار ، ومنهم الأنصار ، وهم أسماع للنبيّ وأبصار ، وعمد إلى المصابيح من مضر يطفيها ، وهذا والوحي يتنزل فيها ، ولم يصخ في الصديق ، إلى التصديق ، وأصمى « 3 » الفاروق برداه ، وحكم فيه أبا لؤلؤة ومداه ، وأمكن صرف الأقدار ، من شهيد الدار « 4 » ، ولم يرع من عليّ بالبسالة ، والذّبّل العسّالة « 5 » ، ولا
--> ( 1 ) تحيفه : تنقصه . والردى : الهلاك . ( 2 ) عفاة : جمع عاف ، وهو طالب المعروف . ( 3 ) أصماه : أصاب مقتله . ( 4 ) شهيد الدار : عثمان بن عفان . ( 5 ) الذبل : جمع ذابل ، وهو الرمح . والعسالة : الشديدة الاهتزاز .