أحمد بن محمد المقري التلمساني
126
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
الوصول الذي إليه من كلّ ما سواه الفرار ، وعليه المدار . وحقّ الحقّ الذي ما سواه فباطل ، والفيض الرحماني الذي ربابه الأبد هاطل « 1 » ، ما شابت مخاطبتي لك شائبة تريب ، ولقد محضت لك ما يمحضه الحبيب للحبيب ، فتحمّل جفائي الذي حملت عليه الغيرة ، ولا تظنّ بي غيره ، وإن لم تعذرني مكاشفة سيادتك بهذا النّثّ « 2 » ، في الأسلوب الرثّ ، فالحقّ أقدم ، وبناؤه لا يهدم ، وشأني معروف في مواجهة الجبابرة على حين يدي إلى رفدهم ممدودة ، ونفسي في النفوس المتهافتة عليهم معدودة ، وشبابي فاحم ، وعلى الشهوات مزاحم ، فكيف بي اليوم مع الشيب ، ونصح الجيب ، واستكشاف العيب ؟ إنما أنا اليوم على كلّ من عرفني كلّ ثقيل ، وسيف العدل في كفي صقيل ، أعذل أهل الهوى ، وليست النفوس في القبول سوا ، ولا لكلّ مرض دوا ، وقد شفيت صدري ، وإن جهلت قدري ، فاحملني - حملك اللّه تعالى ! - على الجادة الواضحة ، وسحب عليك ستر الأبوّة الصالحة ، والسلام » . انتهت الرسالة البديعة في بابها ، الآتية من الموعظة بلبابها ، ذات النصيحة الصريحة التي يتعيّن على كلّ عاقل خصوصا من يريد خدمة الملوك التمسّك بأسبابها . [ تعليق لابن مرزوق على بعض ما جاء في رسالة لسان الدين ] قلت : وقد رأيت بخطّ الإمام العلامة الخطيب ابن مرزوق على هامش قول لسان الدين أوّل الكلام « وأحسست منه في بعض كتبه إلى آخره » ما صورته : توهّم ما لا يقع ، بل لما تجلّت عني سحب النكبة والامتحان جزمت بالرحلة ، وعزمت على النقلة ، ونفرت عن خدمة السلطان ، وملازمة الأوطان ، قال ابن مرزوق : والعجب كلّ العجب أنّ جميع ما خاطبني به - أبقاه اللّه تعالى ! - تحلّى به أجمع ، وابتلى بما منه حذّر ، فكأنه خاطب نفسه وأنذرها مما وقع له ، فاللّه تعالى يحسن له الخاتمة والخلاص ؛ انتهى . [ تعليق لابن لسان الدين على تعليق ابن مرزوق ] وكتب تحت كلام ابن مرزوق هذا بخطّه ابن لسان الدين عليّ ، ما صورته « 3 » : صدق واللّه سيدي أبو عبد اللّه بن مرزوق ، كان اللّه تعالى له ! قاله ولده ابن المؤلف ؛ . [ تعليق للمؤلف على كلام ابن مرزوق ] قلت : وهذا الذي قاله ابن مرزوق كان في حياة ابن الخطيب ، ولذلك دعا له بالبقاء ، وبحسن الخاتمة والخلاص ، وقد أسفر الغيب عن محنته ، ثم قتله على الوجه الذي وصفه أثناء هذه الرسالة ، إذ قال : وأمّا ضدّه من عدوّ يتحكّم وينتقم ، وحوت بغي يبتلع ويلتقم ، ومطبق يحجب الهواء ، ويطيل في التراب الثواء ، وثعبان قيد يعضّ الساق ، وشؤبوب « 4 » عذاب يمزّق
--> ( 1 ) الرباب : السحاب . وهاطل : منسكب بالمطر . ( 2 ) النثّ : الندى الراشح من كل شيء . ( 3 ) في ب « ما نصه » . ( 4 ) الشؤبوب : في الأصل : الدفعة من المطر . وهنا الدفعة من العذاب .