أحمد بن محمد المقري التلمساني
114
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
وأولى ، وأجدر بمضاعفة النعم التي لا تزال تترادف على قدره الأعلى ، فلذلك أصدر له أيّده اللّه هذا الظهير الكريم مشيدا بالترفيع والتنويه ، ومؤكدا للاحتفاء الوجيه ، وقدّمه ، أعلى اللّه قدمه ، وشكر نعمه ! خطيبا بالجامع الأعظم من حضرته ، مضافا ذلك إلى ولايته ورفيع منزلته ، مرافقا لمن بالجامع الأعظم - عمره اللّه بذكره - من عليّة الخطباء ، وكبار العلماء ، وخيار النبهاء الصلحاء . فليتداول ذلك في جمعاته ، مظهرا في الخطة أثر بركاته وحسناته ، عاملا على ما يقرّبه عند اللّه من مرضاته ، ويظفره بجزيل مثوباته « 1 » ، بحول اللّه وقوّته » . انتهى . [ مرسوم من إنشاء لسان الدين أيضا بتولي القاضي النباهي الخطابة مع القضاء ] فهذا ثناء لسان الدين المرحوم على القاضي ابن الحسن ، وإشادته بذكره « 2 » ، وبإشارته وتدبيره ولي قضاء القضاة وخطابة الجامع الأعظم بغرناطة ، وهذان المنصبان لم يكن في الأندلس في ذلك الزمان من المناصب الدينية أجلّ منهما . ولمّا حصل للسان الدين ، رحمه اللّه تعالى ، ما حصل من النفرة عن الأندلس ، وإعمال الحيلة في الانفصال عنها ؛ لعلمه أنّ سعايات ابن زمرك وابن الحسن ومن يعضدهما تمكّنت فيه عند سلطانه ، خلص منها على الوجه الذي قدّمناه ، وشمّر القاضي ابن الحسن عن ساعد إذايته ، والتسجيل عليه بما يوجب الزندقة ، كما سبق جميعه مفصّلا ، فحينئذ أطلق لسان الدين عنان قلمه في سبّ المذكور وثلبه « 3 » ، وأورد في كتابه « الكتيبة الكامنة ، في أبناء المائة الثامنة » من مثالبه « 4 » ما أنسى ما سطّره صاحب القلائد في ابن باجة المعروف بابن الصائغ - حسبما نقلنا ذلك ، أعني كلام الفتح ، في غير هذا الموضع - ولم يقتنع بذلك حتى ألّف الكتاب الذي سماه ب « خلع الرّسن » كما ألمعنا به فيما سبق ، واللّه سبحانه يتجاوز عن الجميع بمنّه وكرمه ! . [ من هجو لسان الدين في الوزير إبراهيم بن أبي الفتح الأصلع الغوي وفي ابن عمه محمد بن إبراهيم العقرب الردي ] واعلم أنّ للسان الدين بن الخطيب ، رحمه اللّه تعالى ، الغاية في المدح والقدح ، فتارة على طريق الترسّل ، وطورا على غيرها ، وقد أقذع وبالغ رحمه اللّه تعالى في هجو أعدائه بما لا تحتمله الجبال ، وهو أشدّ من وقع النبال ، ومنه ما وصف به الوزير ، الذي كان استوزره السلطان إسماعيل بن الأحمر الثائر على سلطان ابن الخطيب ، حسبما سبق الإلمام بذلك ، والوزير هو إبراهيم بن أبي الفتح الأصلع الغوي ، إذ قال في المذكور وفي ابن عمّه محمد بن إبراهيم بن أبي الفتح العقرب الردي ، بعد كلام ، ما صورته : « وما ظنك برجل مجهول الجدّ ، موصوم الأبوّة ؟ إلى أن قال : تنور خبز ، وبركة مرقة ، وثعبان حلواء ، وفاكهة مغي في شح النفس ، متهالك في مسترذل الطبع عليه العذيوط « 5 » الغبي ابن عمّه بسذاجة ، زعموا ، مع كونه
--> ( 1 ) المثوبة : الجزاء . ( 2 ) أشار بذكره : نوّه به ، ورفع قدره . ( 3 ) ثلبه : ذمه وعدد نقائصه . ( 4 ) المثالب : جمع مثلبة ، وهي النقيصة . ( 5 ) العذيوط : الذي يسلح حين الإنزال أثناء المباشرة ، أي ما يخرج من ريح أو غائط من بطنه .