أحمد بن محمد المقري التلمساني

115

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

قبيح الشكل ، بشيع الطلعة ، إلى أن قال : وفي العشر الأول من رمضان عام واحد وستين وسبعمائة تقبّض على الوزير المشؤوم ، وابن عمّه الغوي الغشوم ، وولد الغوي مرسل الظفيرة أبعد الناس في مهوى الاغترار يختال في السّرق والحلية ، سم من سم القوارير ، وابتلاء من اللّه لذوي الغيرة ، يروح نشوان العشيات ، يرقص بين يديه ومن خلفه عدد من الأخلاف ، يعاقرون النبيذ في السكك الغاصّة ، وولد العقرب الردي بضده قماءة « 1 » وتقطّبا ، تنبو عنهما العيون ، ويبكي منهما الخز ، كأنهما صمتا عند المحاورة وأظلما « 2 » عند اللألاء ، من أذلاء بني النضير ، ومهتضمي خيبر ، فثقفا مليّا ، وبودر بهما إلى ساحل المنكّب . قال المخبر : فما رأيت منكوبين أقبح شكلا ، ولا أفقد صبرا ، من ذينك التيسين الحبقين « 3 » ، صلع الرؤوس ، ضخام الكروش ، مبهوري الأنفاس ، متلجلجي الألسنة ، قد ربت بمحل السيف من عنق كل جبّار منهما شحمة أترجية كأنها سنام الحوار « 4 » ، لا يثيرون دمعا ، ولا يستنزلون رحمة ، ولا يمهدون عذرا ، ولا يتزوّدون من كتاب اللّه آية ، قد طبع اللّه على قلوبهم ، وأخذهم ببغيهم ، وعجل لهم سوء سعيهم . وللحين أركبوهم وجراءهم « 5 » - يعني أولادهم - في جفن غزوي تحفّ بهم المساعير من الرجال ، واقتفى بهم أثر قرقورة تحمل حاجا إلى الإسكندرية تورية بالقصد ، فلمّا لججوا قذف بهم في لجّة بعد استخلاص ما ضبثوا به « 6 » ، وتلكأ الأصلع الغوي فأثبت بجراحة أشعر بها هديه ، واختلط العقرب الردي فنال من جناب اللّه سخطا وضيقا ، تعالى اللّه عن نكيره ، فكان فرعون هذا الزمان جبروتا وعتوّا وميتة ، عجّل اللّه لهم العذاب ، وأغرقهم في اليم . فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ، فسبحان من لا تضيع الحقوق مع عدله ، ولا تنفسخ الآماد مع منازعة رداء كبريائه ، مرغم الأنوف ، وقاطع دابر الكافرين ، وفي ذلك أقول مستريحا ، وإن لم يكن - علم اللّه تعالى - شأني ، ولا تكرّر في ديواني : [ الطويل ] وما كنت ممّن يدخل العشق قلبه * ولكنّ من يبصر جفونك يعشق ومن أمثالهم « من استغضب فلم يغضب فهو حمار » واللّه سبحانه يقول ومن أصدق من اللّه قيلا وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] والعفو أقرب للتقوى ، والقرب والبعد بيده

--> ( 1 ) القماءة : القصر . ( 2 ) في ب « وإظلاما عند . . . » . ( 3 ) الحبق : الذي لا خير فيه . ( 4 ) الحوار - بزنة الغراب - ولد الناقة . ( 5 ) الجراء : جمع جرو ، وهو الصغير من أولاد الكلاب . ( 6 ) ضبثوا به : تشبثوا به .