أحمد بن محمد المقري التلمساني

113

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

عنوان ومعيار ، إلى حال الوزير لسان الدين بن الخطيب مع هذين الرجلين ، القاضي ابن الحسن والوزير ابن زمرك اللذين تسبّبا في هلاكه حتى صار أثرا بعد عين ، مع تنويهه بهما في هذا الإنشاء وغيره ، وتفيئهما - كما هو معلوم - ظلال خيره ، فقابلاه بالغدر ، وأظهرا عند الإمكان حقد القلب وغلّ الصدر ، وسدّدا لقتله سهاما وقسيّا ، وصيّرا سبيل الوفاء نسيّا منسيّا ، ولا حول ولا قوة إلّا بالله . ومن إنشاء لسان الدين في حقّ القاضي ابن الحسن أيضا - حين أضيفت إليه الخطابة إلى القضاء - على لسان سلطانه : « هذا ظهير كريم أعلى رتبة الاحتفاء « 1 » اختيارا واختبارا ، وأظهر معاني الكرامة والتخصيص انتقاء واصطفاء وإيثارا « 2 » ، ورفع لواء الجلالة على من اشتمل عليه حقيقة واعتبارا ، ورقى في درجات العزّ من طاولها على بهر أنوارا ، ودينا كرم في الصالحات آثارا ، وزكا في الأصالة نجارا « 3 » ، وخلوصا إلى هذا المقام العلي السعيد الذي راق إظهارا وإضمارا ، أمر به وأمضاه ، وأنفذ حكمه ومقتضاه ، أمير المسلمين عبد اللّه محمد ، إلى آخره ، للشيخ الكذا القاضي العدل الأرضي قاضي الجماعة ، وخطيب الحضرة العلية ، المخصوص لدى المقام العلي بالحظوة السنيّة ، والمكانة الحفيّة ، الموقر الفاضل ، الحافل الكامل ، المبرور أبي الحسن ، ابن الشيخ الفقيه الوزير الأجلّ ، الأعزّ الماجد الأسنى المرفع الأحفل ، الأصلح المبارك الأكمل ، الموقّر المبرور المرحوم أبي محمد بن الحسن ، - وصل اللّه عزّته ! ووالى رفعته ومبرّته ! ووهب له من صلة العناية الربانية أمله وبغيته ! - لما أصبح في صدور القضاة العلماء مشارا إلى جلاله ، مستندا إلى معرفته المخصوصة بكماله ، مطرزا على الإفادة العلمية والأدبية بمحاسنه البديعة وخصاله ، محفوفا معقد « 4 » الحكم النبوي ببركة عدالته وفضل خلاله ، وحل في هذه الحضرة العليّة المحلّ الذي لا يرقاه إلّا عين الأعيان ، ولا يثوي مهاده إلّا مثله من أبناء المجد الثابت الأركان ، وموئل « 5 » العلم الواضح البرهان ، والمبرزين بالمآثر العلية في الحسن والإحسان ، وتصدر لقضاء الجماعة فصدرت عنه الأحكام الراجحة الميزان ، والأنظار الحسنة الأثر والعيان ، والمقاصد التي وفت بالغاية التي لا تستطاع في هذا الميدان - فكم من قضية جلا بمعارفه مشكلها ، ونازلة مبهمة فتح بإدراكه مقفلها ، ومسألة عرف نكرتها وقرّر مهملها ، حتى قرّت بعدالته وجزالته العيون ، وصدقت فيه الآمال الناجحة والظنون ، وكان في تصديره لهذه الولاية العظمى من الخير والخيرة ما عسى أن يكون ، كان أحقّ بالتشفيع لولاياته

--> ( 1 ) الاحتفاء : المبالغة في الإكرام . ( 2 ) الإيثار : التفضيل . ( 3 ) النجار : الأصل . ( 4 ) في ب « مقعد الحكم » . ( 5 ) في ب « ومؤملي العلم » .