أحمد بن محمد المقري التلمساني
108
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
الخير ، بل أبي الشرّ ، الحادثة أيام خلافة الحكم ، المسطورة في نوازل أبي الأصبغ بن سهل ، فاعلموا ذلك ، ولا تهملوا إشارتي عليكم قديما وحديثا بلزوم الصلوات ، وحضور الجماعات ، وفعل الخيرات ، والعمل على التخلّص من التبعات إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [ لقمان : 33 ] وقلتم في كتابكم « أين الخطط المتوارثة عن الآباء والأجداد ؟ » وقد أذهب اللّه عنّا ببركة الملّة المحمدية عيبة الجاهلية « 1 » في التفاخر بالآباء ، ولكني أقول لكم على جهة المقابلة لكلامكم : إن كانت الإشارة إلى المجيب بهذا فمن المعلوم المتحقّق عند أفاضل الناس أنه من حيث الأصالة أحد أماثل قطره ، قال القاضي أبو عبد اللّه بن عسكر « 2 » وقد ذكر في كتابه من سلفي فلان بن فلان ، ما نصّه : وبيته بيت قضاء وعلم وجلالة لم يزالوا يرثون ذلك كابرا عن كابر ، استقضى جدّه المنصور بن أبي عامر ، وقاله غيره وغيره ، وبيدي من عهود الخلفاء وصكوك الأمراء المكتتبة بخطوط أيديهم من لدن فتح جزيرة الأندلس إلى « 3 » هذا العهد القريب ما تقوم به الحجّة القاطعة للسان الحاسد والجاحد ، والمنّة للّه وحده . وإن كانت الإشارة للغير من الأصحاب في الوقت حفظهم اللّه فكلّ واحد منهم إذا نظر إليه بعين الحقّ وجد أقرب منكم نسبا للخطط المعتبرة ، وأولى بميراثها بالفرض والتعصيب أو مساويا على فرض المسامحة لكم . قال رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلم : « المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ، حرام دمه وماله وعرضه » . ونرجع إلى طريقة أخرى فنقول : من كان يا فلان من قومكم في عمود نسبكم نبيها مشهورا « 4 » ، أو كاتبا قبلكم معروفا ، أو شاعرا مطبوعا ، أو رجلا نبيها مذكورا ؟ ولو كان يا لوشي « 5 » وكان ، لكان من الواجب الرجوع إلى التناصف والتواصل والتواضع ، وترك التحاسد والتباغض والتقاطع : « إنّ اللّه لا ينظر إلى صوركم وأبدانكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » . وكذلك العجب كلّ العجب ، من تسميتكم الخربات التي شرعتم في بنائها بدار السلام « 6 » ، وهيهات هيهات ، المعروف من الدنيا أنها دار بلاء وجلاء وعناء وفناء ، ولو لم يكن من الموعظة الواقعة بتلك
--> ( 1 ) العيبة : العيب . ( 2 ) ابن عسكر : هو محمد بن علي بن هارون الغساني المتوفى سنة 636 وله كتاب عن تاريخ مالقة . ( 3 ) في ب « جزيرة الأندلس وإلى هذا العهد . . » . ( 4 ) نبيها : شريفا . رفيع الذكر ، عالي المكانة . ( 5 ) لوشي : نسبة إلى لوشة أصل منبت لسان الدين وقومه . ( 6 ) في ب « بدار السلامة » .