أحمد بن محمد المقري التلمساني

109

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

الدار في الوقت إلّا موت سعيدكم عند دخولها ، لأغناكم عن العلم اليقين بمآلها . وأظهرتم سرورا كثيرا بما قلتم إنكم نلتم ، حيث أنتم ، من الشهوات التي ذكرتم أنّ منها الإكثار من الأكل والخرق والقعود بإزاء جارية الماء على نطع الجلد ، والإمساك أولى بالجواب على هذا الفصل ، فلا خفاء بما فيه من الخسة والخبائث والخبث ، وبالجملة فسرور العاقل إنما ينبغي أن يكون بما يجمل تقدّمه من زاد التقوى للدار الباقية ، فما العيش - كما قال رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلم « 1 » : إلّا عيش الآخرة ، فقدموا إن قبلتم وصاة الحبيب أو البغيض بعضا عسى أن يكون لكم ، ولا تخلفوا كلّا يكون عليكم ، هذا الذي قلته لكم ، وإن كان لدى من يقف عليه من نمطه الكثير ، فهو باعتبار المكان وما مرّ من الزمان في حيز اليسير ، وهو في نفسه قول حقّ وصدق ، ومستند أكثره كتاب اللّه وسنّة محمد رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلم ، وعلى سائر أنبيائه . فاحمدوا اللّه العليّ العظيم على تذكيركم به إذ هو جار مجرى النصيحة الصريحة ، يسّرني اللّه وإياكم لليسرى ، وجعلنا ممّن ذكر فانتفع بالذكرى ، والسلام » . انتهى كلام القاضي ابن الحسن النباهي في كتابه الذي خاطب به لسان الدين رحمه اللّه تعالى . [ صورة مرسوم من إنشاء لسان الدين بتولي القاضي أبي الحسن النباهي القضاء ، وفيه من الثناء على القاضي ما يدل على أنه لم يشكر النعمة ] وأين هذا الكلام الذي صدر من ابن الحسن في حقّه من إنشاء لسان الدين رحمه اللّه تعالى في تولي ابن الحسن المذكور القضاء ، وهو : « هذا ظهير كريم أنتج مطلوب الاختيار قياسه ، ودلّ على ما يرضي اللّه عزّ وجلّ التماسه ، وأطلع نور العناية الذي يجلو الظلام نبراسه ، واعتمد بمثابة العدل من عرف باقتراع هضبتها ناسه ، وألقى بيد المعتمد به زمام الاعتقاد الجميل تروق أنواعه وأجناسه ، وشيّد مبنى العزّ الرفيع ، في قبّة الحسب المنيع ، وكيف لا واللّه بانيه ، والمجد أساسه ، أمر به وأمضى العمل بمقتضاه وحسبه أمير المسلمين عبد اللّه محمد ابن مولانا أمير المسلمين أبي الحجاج ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل بن فرج بن نصر - أيّد اللّه أوامره ، وخلّد مفاخره ! - لقاضي حضرته العلية ، وخطيب حمرائه السنيّة ، المخصوص لديه بترفيع المزيّة ، المصروف إليه خطاب القضاة بإيالته النصرية ، قاضي الجماعة ، ومصرّف الأحكام الشرعية المطاعة ، الشيخ الكذا أبي الحسن ابن الشيخ الكذا أبي محمد بن الحسن - وصل اللّه سعادته ، وحرس مجادته ، وسنّى من فضله إرادته ! - عصب منه جبين المجد بتاج الولاية ، وأجال قداح الاختيار حتى بلغ الغاية وتجاوز النهاية ، ما ألقى منه بيمين عرابة الراية « 2 » ، وأحلّه منه محلّ اللفظ من المعنى والإعجاز من الآية ، وحشر إلى مدعاة

--> ( 1 ) إشارة إلى قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « اللهم إن العيش عيش الآخرة ، فاغفر للأنصار والمهاجرة » . ( 2 ) إشارة إلى قول الشماخ بن ضرار مادحا عرابة الأوسي : إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين