أحمد بن محمد المقري التلمساني

103

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

المعرة « 1 » وسلمتم ، وجلّ القائل سبحانه : قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ [ البقرة : 263 ] وقلّما شاركتم أنتم في شيء إلّا بأغراض حاصلة في يدكم ، ولأغراض دنيوية خاصة بكم ، فالملام إذن في الحقيقة إنما هو متوجّه إليكم ، وأمّا ما أظهرتم بمقتضى حركاتكم وكلامكم من التندّم على فراق محلّكم ، والتّعلّل بأخبار قطركم وأهلكم ، فتناقض منكم وإن كنتم فيه بغدركم : [ الطويل ] أتبكي على ليلى وأنت تركتها * فكنت كآت غيّه وهو طائع وما كلّ ما منّتك نفسك مخليا * تلاقي ، ولا كلّ له أنت تابع فلا تبكين في إثر شيء ندامة * إذا نزعته من يديك النوازع وعلى أن تأسفكم لما وقعتم فيه من الغدر لسلطانكم ، والخروج لا لضرورة غالبة عن أوطانكم ، من الواجب بكلّ اعتبار عليكم ، سيما وقد مددتم إلى التمتّع بغيرها عينيكم ، ولو لم يكن بهذه الجزيرة الفريدة من الفضيلة إلّا ما خصّت به من بركة الرباط ورحمة الجهاد لكفاها فخرا على ما يجاورها من سائر البلاد ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « رباط يوم في سبيل اللّه خير من ألف يوم فيما سواه » ، وقال عليه الصلاة والسلام « الرّوحة يروحها العبد في سبيل اللّه والغدوة خير من الدنيا وما فيها » وعلى كلّ تقدير فإذا لم يكن يا أخي فراركم من الأندلس إلى اللّه وحده بالتوبة المكملة ، والاستغفار مع الانقطاع في أحد المواطن المكرمة المعظمة بالإجماع ، وهي طيبة أو مكة أو بيت المقدس ، فقد خسرتم صفقة رحلتكم ، وتبين أن لغير وجه اللّه العظيم كانت نيّة هجرتكم ، اللهمّ إلّا إن كنتم قد لاحظتم مسألة الرجل الذي قتل مائة نفس ، وسأل أعلم أهل الأرض فأشار عليه بعد إزماع التوبة بمفارقة المواطن التي ارتكب فيها الذنوب ، واكتسب بها العيوب ، فأمر آخر ، مع أنّ كلام العلماء في هذا الحديث معروف . ويقال لكم من الجواب الخاص بكم : فعليكم إذا بترك القيل والقال ، وكسر حربة الجدال والقتال ، وقصر ما بقي من مدة العمر على الاشتغال بصالح الأعمال . ووقعت في مكتوبكم كلمات أوردها النقد في قالب الاستهزاء والازدراء ، والجهالة بمقادير الأشياء ، ومنها « ريح صرصر » وهو لغة القرآن ، و « قاع قرقر » « 2 » وهو لفظ سيد العرب والعجم محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، ثبت في الصحيح في باب التغليظ فيمن لا يؤدي زكاة ماله . قيل : يا رسول اللّه ، والبقر والغنم ؟ قال « ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقّها إلّا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد

--> ( 1 ) المعرّة : الإثم . ( 2 ) القرقر : الخالي من الشجر ، والمنخفض .