أحمد بن محمد المقري التلمساني
104
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
منها شيئا ، تنطحه بقرونها ، وتطؤه بأظلافها » - الحديث الشهير . قال صاحب المعلم : بطح لها بقاع قرقر : أي ألقي على وجهه ، والقاع : المستوي من الأرض ، والقرقر : كذلك ، هذا ما حضر من الجواب ، وبقي في مكتوبكم حشو كثير من كلام إقذاع وفحش « 1 » بعيد من الحشمة والحياء رأيت من الصواب الإعراض عن ذكره ، وصون اليد عن الاستعمال فيه ، والظاهر أنه إنما صدر منكم وأنتم بحال مرض ، فلا حرج فيه عليكم « 2 » ، أنسأ اللّه تعالى أجلكم « 3 » ، ومكّن أمنكم ، وسكن وجلكم ، ومنه جلّ اسمه نسأل لي ولكم حسن الخاتمة ، والفوز بالسعادة الدائمة ، والسلام الأتم يعتمدكم ، والرحمات والبركات من كاتبه علي بن عبد اللّه بن الحسن وفّقه اللّه ، وذلك بتاريخ أخريات جمادى الأولى من عام ثلاثة وسبعين وسبعمائة . وقيّد رحمه اللّه تعالى في مدرج طي هذا الكتاب ما نصّه : « يا أخي - أصلحني اللّه وإياكم ! . بقي من الحديث شيء الصواب الخروج عنه لكم ، إذ هذا أوانه ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة فيه ما فيه ، وليكون البناء بعد أن كان على أصل صحيح بحول اللّه ، وحاصله أنكم عددتم ما شاركتكم فيه بحسب الأوقات ، وقطعتم بنسبة الأمور كلّها إلى أنفسكم ، وأنها إنما صدرت عن أمركم وبإذنكم ، من غير مشارك في شيء منها لكم ، ثم مننتم بها المنّ القبيح المبطل لعمل برّكم على تقدير التسليم في فعله لكم ، ورميتم غيركم بالتقصير في حاله كلّه ، طريقة من يبصر القذى في عين أخيه ويدع الجذع في عينه « 4 » ، وأقصى ما تسنّى للمحبّ أيام كونكم بالأندلس تقلّد كلفة قضاء الجماعة ، وما كان إلّا أن وليتها بقضاء اللّه وقدره ، فقد تبيّن لكلّ ذي عقل سليم أنه لا موجد إلّا اللّه ، وأنه إذا كان كذلك كان الخير والشّرّ والطاعة والمعصية حاصلا بإيجاده سبحانه وتخليقه وتكوينه من غير عاضد له « 5 » على تحصيل مراده ولا معين ، ولكنه جلّت قدرته وعد فاعل الخير بالثواب فضلا منه ، وأوعد « 6 » فاعل الشّرّ بالعقاب عدلا منه ، وكأني بكم تضحكون من تقرير هذه المقدمة ، وما أحوجكم إلى تأمّلها بعين اليقين ، فكابدت أيام تلك الولاية النكدة من النكاية باستحقاركم للقضايا الشرعية ، وتهاونكم بالأمور
--> ( 1 ) الإقذاع : الشتم ، الرمي بالفحش . ( 2 ) إشارة إلى قوله تعالى : لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ . ( 3 ) أنسأ أجلكم : أجل مدة بقائكم وأطال عمركم . ( 4 ) يشير إلى قول بعضهم « فلا من يرى القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عينه » . والقذى : ما يقع في العين أو الماء من تبن وغيره . ( 5 ) عاضد له : مساعد . ( 6 ) أوعد : هدد وأنذر .