أحمد بن محمد المقري التلمساني
421
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
ولا قلامة ظفر ، إذن فمن سلمت له نفسه التي هي رأس ماله ، وعياله وأطفاله اللذان هما من أعظم آماله ، وكلّ أو جلّ أو أقل رياشه ، وأسباب معاشه الكفيلة بانتهاضه وانتعاشه ، ثم وجد مع ذلك سبيلا إلى الخلاص ، في حال مياسرة ومساهلة دون تصعب واعتياص « 1 » ، بعد ما ظن كل الظن أن لا محيد ولا مناص ، فما أحقّه حينئذ وأولاه ، أن يحمد خالقه ورازقه ومولاه ، على ما أسداه إليه من رفده وخيره ، ومعافاته مما ابتلي به كثير من غيره ، ويرضى بكل إيراد وإصدار ، تتصرف فيهما « 2 » الأحكام الإلهية والأقدار ، فالدهر غدّار ، والدنيا دار مشحونة بالأكدار ، والقضاء لا يرد ، ولا يصدّ ، ولا يغالب ، ولا يطالب ، والدائرات تدور ، ولا بدّ من نقص وكمال للبدور ، والعبد مطيع لا مطاع ، وليس يطاع إلا المستطاع ، وللخالق القدير جلت قدرته في خليقته علم غيب للأذهان عن مداه انقطاع . وما لي والتكلف لما لا أحتاج إليه من هذا القول ، بين يدي ذي الجلال والمجادة والفضل والطّول « 3 » ؟ فله من العقل الأرجح ، ومن الخلق الأسجح ، ما لا تلتاط معه تهمتي بصفره « 4 » ، ولا تنفق عنده وشاية الواشي لا عدّ من نفره ، ولا فاز قدحه بظفره ، والمولى يعلم أن الدنيا تلعب باللاعب ، وتجر براحتها إلى المتاعب ، وقديما للأكياس من الناس خدعت ، وانحرفت عن وصالهم أعقل ما كانوا وقطعت ، وفعلت بهم ما فعلت بيسار الكواعب « 5 » تلك التي جبّت وجدعت « 6 » ، ولئن رهصت وهصرت ، فقد نبهت وبصّرت ، ولئن قرعت ومعضت « 7 » ، لقد أرشدت ووعظت ، ويا ويلنا من تنكرها لنا بمرة ، ورميها لنا في غمرة أيّ غمرة ، أيام قلبت لنا ظهر المجنّ ، وغيم أفقها المصحي وأدجن ، فسرعان ما عاينا حبالها منبتّة ، ورأينا منها ما لم نحتسب كما تقوم الساعة بغتة ، فمن استعاذ من شيء فليستعذ مما صرنا إليه من الحور بعد الكور ، وانحطاط « 8 » من النجد إلى الغور . [ الطويل ] فبينا نسوس النّاس والأمر أمرنا * إذا نحن فيهم سوقة نتنصّف « 9 »
--> ( 1 ) اعتاص اعتياصا الأمر : اشتد وخفي وصعب . ( 2 ) في ه « تتصرف بها » . ( 3 ) الطول - بفتح الطاء وسكون الواو : القوة . ( 4 ) لا تلتاط معه تهمتي بصفره : أي لا تتعلق تهمتي بقلبه . ( 5 ) إشارة إلى يسار العبد الذي تعرض لبنت سيده ، فدهنت استه زيتا وربطته قريبا من قرية النمل فأكل النمل أنثييه . ( 6 ) جبت وجدعت : قطعت . ( 7 ) في ب « وأمعضت » . ( 8 ) في ب « والانحطاط » . ( 9 ) نتنصف : نسأل أن ينصفنا الناس .