أحمد بن محمد المقري التلمساني
422
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
فتبا لدينا لا يدوم نعيمها * تقلّب تارات بنا وتصرّف « 1 » وأبيها لقد أرهقتنا إرهاقا ، وجرعتنا من صاب الأوصاب كأسا دهاقا « 2 » ، ولم نفزع إلى غير بابكم المنيع الجناب ، المنفتح حين سدت الأبواب ، ولم نلبس غير لباس نعمائكم حين خلعنا ما ألبسنا الملك من الأثواب ، وإلى أمه يلجأ الطفل لجأ اللهفان ، وعند الشدائد تمتاز السيوف من الأجفان « 3 » ، ووجه اللّه تعالى يبقى وكلّ من عليها فان ، وإلى هنا ينتهي القائل ثم يقول : حسبي هذا وكفان . ولا ريب في اشتمال العلم الكريم ، على ما تعارفته الملوك بينها في الحديث والقديم ، من الأخذ باليد عن زلّة القدم ، وقرع الأسنان وعض البنان من الندم « 4 » ، دينا تدينت [ حتى ] مع اختلاف الأديان ، وعادة أطردت [ فيهم ] على تعاقب الأزمان والأحيان . ولقد عرض علينا صاحب قشتالة مواضع معتبرة خير فيها ، وأعطى من أمانه المؤكد فيه خطه بأيمانه ما يقنع النفوس ويكفيها ، فلم نر ونحن من سلالة الأحمر مجاورة الصّفر ، ولا سوّغ لنا الإيمان الإقامة بين ظهراني الكفر ، ما وجدنا عن ذلك مندوحة ولو شاسعة ، وأمنا من المطالب المشاغب حمة « 5 » شرّ لنا لاسعة ، وادّكرنا أيّ ادكار ، قول اللّه تعالى المنكر لذلك غاية الإنكار ( ألم تكن أرض اللّه واسعة ) وقول الرسول عليه الصلاة والسلام ، المبالغ في ذلك بأبلغ الكلام « أنا بريء من مؤمن مع كافر لا تتراءى ناراهما » وقول الشاعر الحاث على حث المطية ، المتثاقلة عن السير في طريق منجاتها البطيّة : [ الوافر ] وما أنا والتّلدّد نحو نجد * وقد غصّت تهامة بالرّجال « 6 » ووصلت أيضا من الشرق إلينا ، كتب كريمة المقاصد لدينا ، تستدعي الانحياز إلى تلك الجنبات ، وتتضمن ما لا مزيد عليه من الرغبات ، فلم نختر إلا دارنا التي كانت دار آبائنا من قبلنا ، ولم نرتض الانضواء إلا لمن بحبله وصل حبلنا ، وبريش نبله ريش نبلنا ، إدلالا على
--> ( 1 ) في ب « فأف لدينا » . ( 2 ) الصاب : شجر مر . والأوصاب : الأمراض جمع وصب . ودهاقا : ملآن . ( 3 ) في ب ، ه « تمتاز السيوف في الأجفان من الأجفان » . ( 4 ) البنان : أطراف الأصابع . وعض البنان : كناية عن شدة الندم . ( 5 ) الخمة - بضم الحاء وفتح الميم المخففة . إبرة الحية والعقرب وغير هما . ( 6 ) في ج ، ه « وما أنا والتلذذ نحو نجد » بذالين معجمتين ، وليس بذلك . والتلدد - بالمهملتين - التلبّث في حيرة وتلفت .