أحمد بن محمد المقري التلمساني
395
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
مجلسا أقيم له بناؤه خارج الحمراء قلعة غرناطة ، وكان ابتداء هذا العرض يوم الثلاثاء تاسع عشر الحجة « 1 » عام اثنين وثمانين وثمانمائة ، ولم تزل الجنود تعرض عليه كل يوم إلى الثاني والعشرين من محرم السنة التي تليها ، وهو يوم ختام العرض ، وكان معظم المتنزهين والمتفرجين بالسبيكة « 2 » ، وما قارب ذلك ، فبعث اللّه تعالى سيلا عرما على وادي حدرة بحجارة وماء غزير كأفواه القرب ، عقابا من اللّه سبحانه وتأديبا لهم لمجاهرتهم بالفسق والمنكر ، واحتمل الوادي ما على حافتيه من المدينة من حوانيت ودور ومعاصر وفنادق وأسواق وقناطر وحدائق ، وبلغ تيار السيل إلى رحبة الجامع الأعظم ، ولم يسمع بمثل هذا السيل في تلك البلاد ، وكان بين رؤساء الإفرنج في ذلك الوقت اختلاف ، فبعضهم استقل بملك قرطبة ، وبعض بإشبيلية ، وبعض بشريش ، وعلى ذلك كان صاحب غرناطة السلطان أبو الحسن قد استرسل في اللذات ، وركن إلى الراحات ، وأضاع الأجناد ، وأسند الأمر إلى بعض وزرائه ، واحتجب عن الناس ، ورفض الجهاد والنظر في الملك ، ليقضي اللّه تعالى ما شاء ، وكثرت المظالم والمغارم « 3 » ، فأنكر الخاصة والعامة ذلك منه ، وكان أيضا قد قتل كبار القواد وهو يظن أن النصارى لا يغزون بعد « 4 » البلاد ، ولا تنقضي بينهم الفتنة ولا ينقطع الفساد ، واتفق أن صاحب قشتالة تغلب على بلادها بعد حروب ، وانقاد له رؤساء الشرك المخالفون ، ووجدت النصارى السبيل إلى الإفساد ، والطريق إلى الاستيلاء على البلاد ، وذلك أن كان للسلطان أبي الحسن ولدان محمد ويوسف وهما من بنت عمه السلطان أبي عبد اللّه الأيسر ، وكان قد اصطفى على أمهما رومية كان لها منه بعض ذرية ، وكان حظية « 5 » عنده مقدمة في كل قضية ، فخيف أن يقدم أولاد الرومية ، على أولاد بنت عمه السنية ، وحدث بين خدّام الدولة التنافر والتعصب ، لميل بعضهم إلى أولاد الحرة ، وبعض إلى أولاد الرومية ، وكان النصارى أيام الفتنة بينهم هادنوا السلطان لأمد حدّوه وضربوه ، ولما تم أمد الصلح وافق وقته هذا الشأن بين أولياء الدولة بسبب الأولاد ، وتشكى الناس مع ذلك بالوزراء « 6 » والعمال لسوء ما عاملوا به الناس من
--> ( 1 ) في ب « ذي الحجة » . ( 2 ) كذا في أب ، ج ، ه . وفي نسخة عند ه « بالسبيكية » وفي أخرى « بالسبكية » . ( 3 ) في ب ، ه « وكثرت المغارم والمظالم » . ( 4 ) في نسخة « لا يغزون بعد ذلك البلاد » . ( 5 ) حظية : مقربة مكرمة . ( 6 ) في ب « وتشكى الناس مع ذلك بالوزير » .