أحمد بن محمد المقري التلمساني

396

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

الحيف والجور « 1 » ، فلم يصغ إليهم ، وكثر الخلاف واشتدّ الخطب ، وطلب الناس تأخير الوزير ، وتفاقم الأمر ، وصح عند النصارى - لعنهم اللّه تعالى ! ضعف الدولة واختلاف القلوب ، فبادروا إلى الحامة « 2 » فأخذوها غدرا آخر أيام الصلح على يد صاحب قادس سنة سبع وثمانين وثمانمائة ، وغدوا للقلعة ، وتحصنوا بها ، ثم شرعوا في أخذ البلد ، فملؤوا الطرق خيلا ورجالا ، وبذلوا السيف فيمن ظهر من المسلمين ، ونهبوا الحريم ، والناس في غفلة نيام من غير استعداد كالسكارى ، فقتل من قضى اللّه تعالى بتمام أجله ، وهرب البعض ، وترك أولاده وحريمه ، واحتوى العدوّ على البلد بما فيه ، وخرج العامة والخاصة من أهل غرناطة عندما بلغهم العلم ، وكان النصارى عشرة آلاف بين ماش وفارس ، وكانوا عازمين على الخروج بما غنموه ، وإذا بالسرعان « 3 » من أهل غرناطة وصلوا ، فرجع العدو إلى البلد ، فحاصرهم المسلمون ، وشدّدوا في ذلك ، ثم تكاثر المسلمون خيلا ورجالا من جميع بلاد الأندلس ، ونازلوا الحامة ، وطمعوا في منع الماء عن العدوّ ، وتبين للعامة أن الجند لم ينصحوا ، فأطلقوا ألسنتهم بأقبح الكلام فيهم وفي الوزير ، وبينما هم كذلك وإذا « 4 » بالنذير جاء أن النصارى أقبلوا في جميع عظيم « 5 » لإغاثة من بالحامة من النصارى ، فأقلع جند المسلمين من الحامة ، وقصدوا ملاقاة الواردين من بلاد العدو ، ولما علم بهم العدو ولّوا الأدبار من غير ملاقاة محتجين بقلتهم ، وكان رئيسهم « 6 » صاحب قرطبة . [ موقعة « الحامة » و « لوشة » و « مالقة وبلش » و « رندة » وحصار « مالقة » ] ثم إن صاحب إشبيلية جمع جندا عظيما من جيش النصارى الفرسان والرجالة « 7 » ، وأتى لنصرة من في الحامة من النصارى ، وعندما صح هذا عند العسكر اجتمعوا ، وأشاعوا عند الناس « 8 » أنهم خرجوا بغير زاد ولا استعداد ، والصلاح الرجوع إلى غرناطة ليستعد الناس ويأخذوا ما يحتاج إليه الحصار من العدة والعدد ، فعندما أقلع المسلمون عنها دخلتها « 9 » النصارى الواردون ، وتشاوروا في إخلائها أو سكناها ، واتفقوا على الإقامة بها ، وحصنوها ، وجعلوا فيها جميع ما يحتاج إليه ، وانصرف صاحب إشبيلية ، وترك أجناده ، وفرق فيهم

--> ( 1 ) الحيف : الظلم . والجور : مثله . ( 2 ) في ه « بادروا إلى الحمة » هنا . لكن ذكر فيما بعد بلفظ « الحامة » مكررا . ( 3 ) السرعان : المسرعون . ( 4 ) في ب « كذلك إذا بالنذير جاء . . . » . ( 5 ) في ب « في جمع عظيم » . ( 6 ) في ه « وكان رائسهم » . ( 7 ) في ج « من الفرسان والرجال » . ( 8 ) في ه « عن الناس » . ( 9 ) في ه « دخلها النصارى » .