أحمد بن محمد المقري التلمساني
335
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
على مألوف الحساب ، وتكالب التثليث على التوحيد « 1 » ، وساءت الظنون في هذا القطر الوحيد ، المنقطع بين الأمة الكافرة والبحور الزاخرة والمرام البعيد ، وإننا صابرنا بالله تعالى تيّار سيله ، واستضأنا بنور التوكل عليه في جنح هذا الخطب ودجنّة ليله « 2 » ، ولجأنا إلى من بيده نواصي الخلائق ، واعتلقنا « 3 » من حبله المتين بأوثق العلائق ، وفسحنا مجال الأمل في ذلك الميدان المتضايق ، وأخلصنا للّه مقيل العثار ومؤوي أولي الاضطرار قلوبنا ، ورفعنا إليه أمرنا ووقفنا عليه مطلوبنا ، ولم نقصر مع ذلك في إبرام العزم ، واستشعار الحزم ، وإمداد الثغور بأقصى الإمكان ، وبعث الجيوش إلى ما يلينا من بلاد على الأحيان ، فرحم اللّه تعالى انقطاعنا إلى كرمه ، والتجاءنا إلى حرمه ، فجلّى بفضله سبحانه ظلم الشدة ، ومد على الحريم والأطفال ظلال رحمته الممتدة ، وعرفنا عوارف الصنع الذي قدم به العهد على طول المدّة ، ورماه بجيش من جيوش قدرته أغنى عن إيجاف « 4 » الركاب ، واحتشاد الأحزاب ، وأظهر فينا قدرة ملكه عند انقطاع الأسباب ، واستخلاص العباد والبلاد من بين الظّفر والناب ، فقد كان جعجع على الحق بأباطيله « 5 » ، وسد المجاز بأساطيله ، ورمى الجزيرة الأندلسية بشؤبوب « 6 » شرّه ، وصيرها فريسة بين غربان بحره وعقبان برّه ، فلم يخلص إلى المسلمين من إخوانهم مرقبة إلا على الخطر الشديد ، والإفلات من يد العدوّ العنيد مع توفر العزائم والحمد للّه على العمل الحميد ، والسعي فيما يعود على الدين بالتأييد ، وبينما شفقتنا على جبل الفتح تقيم وتقعد ، وكلب الأعداء عليه يبرق ويرعد ، واليأس والرجاء خصمان هذا يقرب وهذا يبعد ، إذا طلع علينا البشير بانفراج الأزمة ، وحلّ تلك العزمة ، وموت شاه تلك الرقعة ، وإبقاء اللّه تعالى على تلك البقعة ، وأنه سبحانه أخذ الطاغية أكمل ما كان اغترارا ، وأعظم أنصارا ، وزلزلت « 7 » أرض عزه وقد أصابت قرارا ، وأن شهاب سعده قد أصبح آفلا ، وعلم كبره انقلب سافلا ، وأن من بيده ملكوت السماوات والأرض طرقه بحتفه « 8 » ، وأهلكه برغم أنفه ، وأن محلته عاجلها التّباب والتّبار ، وعاثت في منازلها النار ، وتمخض « 9 » عن سوء عاقبتها الليل والنهار ، وأن حماتها يخبرون بيوتهم بأيديهم ، وينادي بشتات الشمل لسان مناديهم ، وتلاحق الفرسان من جبل الفتح المعقل الذي عليه من عناية اللّه تعالى رواق مضروب ، والرباط الذي من حاربه فهو المحروب ،
--> ( 1 ) أراد بالتثليث : النصرانية ، وبالتوحيد : الإسلام . ( 2 ) دجنة الليل : ظلمته الشديدة . ( 3 ) اعتلقنا : تمسكنا وفي ب « اعتقلنا » . ( 4 ) إيجاف الركاب : إعمال الخيل وإجراؤها . ( 5 ) جعجع : اشتد صوته . ( 6 ) الشؤبوب : في الأصل : الدفعة من المطر . وهنا : الشر القوي المتدافع . ( 7 ) في ب « وزلزل أرض عزه » . ( 8 ) الحتف : الموت . ( 9 ) في أصل ه « وتمحض عن سوء عاقبتها » .