أحمد بن محمد المقري التلمساني

336

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

فأخبرت بانفراج الضيق ، وارتفاع العائق لها عن الطريق ، وبرء الداء الذي أشرق بالريق ، وأن النصارى دمرها اللّه تعالى جدت في ارتحالها ، وأسرعت بجيفة طاغيتها إلى سوء مآلها وحالها ، وسمحت للنار والنهب بأسلابها وأموالها ، فبهرنا هذا الصنع الإلهي الذي مهد الأقطار بعد رجفانها ، وأنام العيون بعد سهاد أجفانها « 1 » ، وسألنا اللّه تعالى أن يعيننا على شكر هذه النعمة التي إن سلطت عليها قوى البشر فضحتها ، ورجحتها ، ورأينا سر الطائف الخفية كيف سريانه في الوجود ، وشاهدنا بالعيان أنوار اللطائف الإلهية والجود ، وقلنا : إنما هو الفتح الأوّل شفع بثان ، وقواعد الدين الحنيف أيدت من صنع اللّه تعالى ببنيان ، اللهم لك الحمد على نعمك الباطنة والظاهرة ، ومننك الوافرة ، إنك ولينا في الدنيا والآخرة . انتهى . [ ومن إنشاء لسان الدين فيما يتعلق بضيق حال المسلمين ببلاد الأندلس ] ومن إنشاء لسان الدين رحمه اللّه تعالى من أخرى مما يتعلق بضيق حال المسلمين بالأندلس ما صورته : وإن تشوّفتم « 2 » إلى أحوال هذا القطر ومن به من المسلمين ، بمقتضى الدين المتين والفضل المبين ، فاعلموا أننا في هذه الأيام ندافع من العدوّ تيارا ، ونكابر بحرا زخّارا ، ونتوقع إلا إن وقى اللّه تعالى خطوبا كبارا ، ونمد اليد إلى اللّه تعالى انتصارا ، ونلجأ إليه اضطرارا ، ونستمد دعاء المسلمين بكل قطر استعدادا به واستظهارا « 3 » ، ونستشير من خواطر الفضلاء ما يحفظ أخطارا ، وينشئ ريح روح اللّه طيبة معطارا ، فإذا القومس « 4 » الأعظم قيوم دين النصرانية الذي يأمرها فتطيع ، ومخالفته لا تستطيع ، رمي هذه الأمة الغريبة المنقطعة منهم بجراد لا يسد طريقها ، ولا يحصى فريقها ، التفت على أخي صاحب قشتالة وعزمها أن تملكه بدله ، وتبلغه أمله ، ويكون الكل يدا واحدة على المسلمين ، ومناصبة هذا الدين ، واستئصال شأفة المؤمنين ، وهي شدة ليس لأهل هذا الوطن بها عهد ، ولا عرفها نجد ولا وهد « 5 » ، وقد اقتحموا الحدود القريبة ، واللّه تعالى ولي هذه الأمة الغريبة ، وقد جعلنا مقاليد أمورنا بيد من يقوّي الضعيف ، ويدرأ الخطب المخيف « 6 » ، ورجونا أن نكون ممن قال اللّه تعالى فيهم الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [ آل عمران : 173 ] ، وهو سبحانه المرجو

--> ( 1 ) السهاد : الأرق . ( 2 ) في أصل ه « تشوقتم » . ( 3 ) استعدادا به : أي نجعله عدلا لنا على العدو . واستظهارا : نستظهر به ، أي نتقوى . ( 4 ) في ب ، ه « فإن القوس الأعظم » . ( 5 ) النجد : ما ارتفع من حزن من الأرض . والوهد ضده . ( 6 ) يدرأ : يدفع . والخطب : المصيبة .