أحمد بن محمد المقري التلمساني

322

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

التشيع إليكم أصول ، وفي تقرير فخركم محصول ، وأنتم ردء المسلمين « 1 » بهذه البلاد المسلمة الذي يعينهم بإرفاده ، وينصرهم بإنجاده ، ويعامل اللّه تعالى فيها بصدق جهاده . وعندما استقر هذا الأمر الذي تبعت المحنة فيه المنحة ، وراقت من فضل اللّه تعالى ولطفه فيه الصفحة ، وأخذنا البيعة من أهل حضرتنا بعد استدعاء خواصّهم وأعيانهم ، وتزاحمت على رقّها المنشور « 2 » خطوط أيمانهم ، وتأصلت قواعد ألفاظها ومعانيها في قلوبهم وآذانهم ، وضمنوا الوفاء بما عاهدوا اللّه عليه وقد خبر سلفنا والحمد للّه وفاء ضمانهم ، بادرنا تعريف مقامكم الذي نعلم مساهمته فيما ساء وسر وأحلى وأمر ، عملا بمقتضى الخلوص الذي ثبت واستقر ، والحب الذي ما مال يوما ولا ازورّ « 3 » وما أحق تعريف مقامكم بوقوع هذا الأمر المحذور ، وانجلاء ليله عن صبح الصنع البادي السّفور ، وإن كنا قد خاطبنا من خدامكم من يبادر إعلامكم بالأمور ، إلا أنه أمر له ما بعده ، وحادث يأخذ حدّه ، ونبعث إلى بابكم من شاهد الحال ما بين وقوعها إلى استقرارها رأي العيان « 4 » ، وتولى تسديد الأمور بأعماله الكريمة ومقاصده الحسان ، ليكون أبلغ في البر وأشرح للصدر وأوعب للبيان « 5 » ، فوجهنا إليكم وزير أمرنا ، وكاتب سرنا ، الكذا أبا فلان ، وألقينا إليه من تقرير تعويلنا على ذلك المقام الأسنى ، واستنادنا من التشيع إليه إلى الركن الوثيق المبني ، ما نرجو أن يكون له فيه المقام الأعنى ، والثمرة العذبة المجنى ، فلاهتمامه بهذا الغرض الأكيد الذي هو أساس بنائنا ، وقامع أعدائنا ، آثرنا توجيهه على توفر الاحتياج إليه ، ومدار الحال عليه ، والمرغوب من أبوتكم المؤملة أن يتلقاه قبولها بما يليق بالملك العالي ، والخلافة السامية المعالي ، واللّه عز وجل يديم أيامكم لصلة الفضل المتوالي « 6 » ، ويحفظ مجدكم من غير الأيام والليالي « 7 » ، وهو سبحانه يصل سعدكم ، ويحرس مجدكم ، ويوالي نصركم وعضدكم ، والسلام الكريم يخصكم ، ورحمة اللّه وبركاته . انتهى . وقوله في هذه الرسالة « فوجهنا إليكم وزير أمرنا - إلى آخره » هو لسان الدين رحمه اللّه تعالى ! إذ هو كان الوزير إذ ذاك والسفير في هذه القضية ، ومن صفحات هذا الكلام يتضح لك ما نال لسان الدين رحمه اللّه تعالى من الرياسة والجاه ونفوذ الكلمة بالأندلس وبالمغرب

--> ( 1 ) الردء : المعين ، والعون ، والقوة ، والعماد ، والسند . ( 2 ) الرّق ، بفتح الراء : جلد رقيق يكتب عليه ، الصحيفة البيضاء . ( 3 ) ازورّ : انحرف ومال . ( 4 ) العيان ، بكسر العين : المعاينة ورؤية العين . ( 5 ) أوعب الشيء : أخذه كلّه . وأوعب هنا : اسم تفضيل من الفعل أوعب . ( 6 ) في أصل ه « لصلة فضله المتوالي » . ( 7 ) غير الأيام : حوادثها المتغيرة .