أحمد بن محمد المقري التلمساني
30
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
وحذفوا المبتدأ أخرى وأبقوا خبره ، وكلّ ذلك اختصار ؛ لعلم المخاطب بالمعنى ، وكذلك قولهم « هذا ولا زعماتك » أي هذا القول والزعم الحقّ ولا أتوهّم زعماتك ، فحذف هذا لعلم السامع مع تحصّل المعنى وقيامه عند المخاطب ، والحمل في كلامهم على المعنى أكثر من أن يحصى . فإن كان الضمير الأول في المسألة للزنبور والضمير الآخر للعقرب لم يجز البتّة إلّا رفع الضميرين بالابتداء والخبر ، على حدّ قولك « ظننت زيدا عاقلا فإذا هو أحمق ، وحسبت عبد اللّه قاعدا فإذا هو قائم » ولو تقدّم ذكر الخبر والمخبر عنه لقلت « فإذا هو هو » ولم يجز فإذا هو إياه البتّة . ويجوز في « 1 » المسألة أن تقول « فإذا هي هو » على التقديم والتأخير على حدّ قولك « فإذا العقرب الزنبور » أي سواء في شدة اللسعة كما تقول « خرجت فإذا قائم زيد » على تقدير فإذا زيد قائم ، ويجوز أن يكون « هو » كناية عن اللسع بدلالة اللسعة عليه ، وتكون « هي » كناية عن اللسعة على تقدير : فإذا لسع الزنبور لسعة العقرب ، ويجوز « فإذا هي هو » على إضمار اللسعة واللسع ، والتقدير : فإذا لسعة الزنبور لسع العقرب ، وهذا كلّه لا يجوز فيه إلّا الرفع عند البصريين ؛ لأنّ الآخر هو الأول ، والخبر معرفة متعلّق بالمفاجأة فلا يجوز فيه الحال ، والكوفيون يجيزون النصب كما تقدّم ، وهو غلط بيّن ، وخطأ فاحش ، لا تقوله العرب ، ولا تعلّق له بقياس ، فاعلمه . ويجوز في المسألة « فإذا هو هو » على تقدير : فإذا اللسع اللسع ، ويجوز « فإذا هي هي » على تقدير : فإذا اللسعة اللسعة ، وفي هذا كفاية إن شاء اللّه تعالى . [ نسب سيبويه وتفسير لقبه ] وأمّا نسب سيبويه ففارسي مولى لبني الحارث بن كعب بن علة بن خلدة بن مالك ، وهو مذحج ، واسمه عمرو بن عثمان بن قنبر ، وكنيته أبو بشر ، ولقبه الذي شهر به سيبويه ، ومعناها بالفارسية رائحة التفاح ، وكان من أطيب الناس رائحة ، وأجملهم وجها ، وقيل : معنى « سي » ثلاثون ، ومعنى « بويه » رائحة ، فكأنّ معناها : الذي ضوعف طيب رائحته ثلاثين مرّة . وأما سبب تعويله على الخليل « 2 » في طلب النحو - مع ما كان عليه من الميل إلى التفسير والحديث - فإنه سأل يوما حماد بن سلمة فقال له : أحدّثك هشام بن عروة عن أبيه في رجل رعف في الصلاة ، بضم العين ، فقال له حماد : أخطأت ، إنما هو رعف بفتح العين ، فانصرف
--> ( 1 ) في ه : « ويجوز في المسألة إذا قلت : فإذا هو ، لأبي أن يكون الضمير للزنبور والعقرب على حد قولك : الزنبور العقرب ، أي مثلها ، ويجوز : فإذا هي هو على التقديم والتأخير . . . الخ . ( 2 ) الخليل هو الخليل بن أحمد الفراهيدي .