أحمد بن محمد المقري التلمساني

31

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

إلى الخليل ، فشكا إليه ما لقيه من حماد ، فقال له الخليل : صدق حماد ، ومثل حماد يقول هذا ، ورعف بضم العين لغة ضعيفة ، وقيل : إنه قدم البصرة من البيداء من قرى شيراز من عمل فارس ، وكان مولده ومنشؤه بها ، ليكتب الحديث ويرويه ، فلزم حلقة حماد بن سلمة ، فبينما هو يستملي على حماد قول النبي ، صلى اللّه عليه وسلم « ليس من أصحابي إلّا من لو شئت لأخذت « 1 » عليه ، ليس أبا الدرداء » فقال سيبويه « ليس أبو الدرداء » بالرفع ، وظنه « 2 » اسم ليس ، فقال له حماد : لحنت يا سيبويه « 3 » ، فقال سيبويه : سأطلب علما لا تلحنني فيه ، فلزم الخليل ، وبرع في العلم . وأمّا سبب وفوده على الرشيد ببغداد وتعرّضه لمناظرة الكسائي والفراء ، فلما كانا عليه من تمكّن الحال ، والقرب من السلطان ، وعلوّ همّته ، وطلبه للظهور مع ثقته بعلمه ؛ لأنه كان أعلم أهل زمانه ، وكان بينه وبين البرامكة أقوى سبب ، فوفد على يحيى بن خالد بن برمك وابنيه جعفر والفضل ، فعرض عليهم ما ذهب إليه من مناظرة الكسائي وأصحابه فسعوا له في ذلك ، وأوصلوه إلى الرشيد ، فجرى بينه وبين الكسائي والفراء ما ذكر واشتهر ، وكان آخر أمره أنّ الكسائي وأصحابه لما ظهروا عليه بشهادة الأعراب على حسب ما لقّنوا أن قال يحيى بن خالد أو الكسائي للرشيد : يا أمير المؤمنين ، إن رأيت أن لا يرجع خائبا فعلت ، فأمر له بعشرة آلاف درهم ، وانصرف إلى الأهواز ، ولم يعرّج على البصرة ، وأقام هنالك مدّة « 4 » إلى أن مات كمدا ، ويروى أنه ذربت « 5 » معدته فمات ، فيرون أنه مات غمّا ، ويروى أنّ الكسائي لما بلغه موته قال للرشيد : ده « 6 » يا أمير المؤمنين ، فإني أخاف أن أكون شاركت في دمه ، ولمّا احتضر وضع رأسه في حجر أخيه فقطرت دمعة من دموعه على خدّه ، فرفع عينيه وقال : [ الطويل ] أخيّين كنّا فرّق الدهر بيننا * إلى الأمد الأقصى ، ومن يأمن الدهرا ومات على السنّة والجماعة ، رحمة اللّه تعالى ! وأمّا كتابه الجاري بين الناس فلم يصحّ أنه أنشأه بعد كتاب آخر قبله ، على أن ذلك قد ذكر .

--> ( 1 ) في ب ، ه : « لأقدت عليه » . ( 2 ) في ب ، ه : « وخمنه » والتخمين : الظن . ( 3 ) في ب ، ه : « لحنت يا سيبويه ، ليس هذا حيث ذهبت ، إنما ليس ها هنا استثناء » . ( 4 ) في ه : « وأقام هناك مديدة » . ( 5 ) ذربت معدته : فسدت . ( 6 ) ده : أمر من : واده يديه ، مثل : وقاه يقيه إذا غرم ديته .