أحمد بن محمد المقري التلمساني
295
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق ، أمدّه اللّه بالظفر ، وقرن عزمه بالتأييد في الآصال والبكر « 1 » ! . سلام وشّت البروق وشائعه « 2 » ، وادّخرت الكواكب ودائعه ، استوعب الزمان ماضيه ومستقبله ومضارعه ، وثناء اتخذ النفحات المسكية طلائعه ، ونبه للتغريد في الروض سواجعه ، وجلّى في كاسه من الشفق المحمر مدامه من النجوم فواقعه . [ أما ] « 3 » بعد حمد اللّه على نعم أدت لنا الأمانة في عود سلطنة والدنا الموروثة ، وأجلستنا على سرير مملكة زرابيّها بين النجوم مبثوثة « 4 » ، وأحسنت بنا الخلف عن سلف عهوده في الأعناق غير منكورة ولا منكوثة ، وصلاته على سيدنا محمد عبده ورسوله ، وعلى آله وصحبه الذين بلغ بجهادهم في الكفرة غاية أمله ورسوله ، صلاة تحط بالرضوان سيولها ، وتجر بالغفران ذيولها ، ما تراسل أصحاب ، وتواصل أحباب ، ويوضح للعلم الكريم ، وورد كتابكم العظيم ، وخطابكم الفائق على الدر النظيم ، تفاخر الخمائل سطوره ، ويصبغ خدّ الورد بالخجل منثوره ، ويحكي الرياض اليانعة فالألفات غصونه والهمزات عليها طيوره ، ويخلع على الآفاق حلل الأيام والليالي فالطّرس صباحه والنّقس ديجوره « 5 » ، لفظه يطرب ، ومعناه يعرب فيغرب ، وبلاغته تدلّ على أنه آية لأن شمس بيانها طلعت من المغرب ، فاتخذنا سطوره ريحانا ، ورجّعنا ألفاظه ألحانا ، ورجعنا إلى الجدّ فشبهنا ألفاته بظلال الرماح ، وورقه بصقال الصّفّاح ، وحروفه المفرقة بأفواه الجراح ، وسطوره المنتظمة بالفرسان المزدحمة في يوم الكفاح ، وانتهينا إلى ما أودعتموه من اللفظ المسجوع ، والمعنى الذي يطرب طائره المسموع ، والبلاغة التي فضح المتطبع بيانها المطبوع . فأما العزاء بأخيكم الوالد قدّس اللّه روحه وسقى عهده ، وأحسن لسلفه خلفنا بعده ، فلنا برسول اللّه أسوة حسنة ، ولولا الوثوق بأنه في عدّة الشهداء ما رأى القلب قراره ولا الطرف وسنه « 6 » ، عاش سعيدا يملك الأرض ، ومات شهيدا يفوز بالجنة يوم العرض « 7 » ، قد خلد اللّه
--> ( 1 ) الآصال : جمع الأصيل ، وهو الوقت بين العصر والمغرب . والبكر : جمع بكرة ، الغدوة وقت الصباح . ( 2 ) وشائع : جمع وشيعه ، وأراد نسيجه . ( 3 ) « أما » ساقط من ب . ( 4 ) الزرابي : ضرب من الثياب ، وفي التنزيل الحكيم وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ . ( 5 ) النقس ، بكسر النون : المداد الذي يكتب به ، والطرس : الورق ، والديجور : الظلام الشديد . ( 6 ) الوسن ، بفتح الواو والسين : النوم . ( 7 ) يوم العرض : يوم القيامة .