أحمد بن محمد المقري التلمساني

296

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

ذكره يسير مسير الشمس « 1 » في الآفاق ، ويوقف على نضارة حدائقه نظرات الأحداق ، وورثنا منه حسن الإخاء لكم ، والوفاء بعهود مودة تشبه في اللطف شمائلكم ، وأما الهناء بوراثة ملكه ، والانخراط مع الملوك في سلكه ، قد شكرنا لكم منحى هذه المنحة ، وقابلناها بثناء يعطّر النسيم في كل نفحه ، ووقفنا عليها حمدا جعل الود علينا إيراده « 2 » وعلى أنفاس سرحة الروض شرحه ، وتحققنا به حسن ودكم الجميل ، وكريم إخائكم الذي لا يميد طود رسوخه ولا يميل « 3 » . وأما ما ذكرتموه من أمر المصحفين الشريفين اللذين وقفتموهما على الحرمين المنيفين ، وأنكم جهزتم كاتبكم الفقيه الأجلّ الأسنى الأسمى أبا المجد ابن كاتبكم أبي عبد اللّه بن أبي مدين أعزه اللّه تعالى لتفقد أحوالهما ، والنظر في أمر أوقافهما ، فقد وصل المذكور بمن معه في حرز السلامة وأكرمنا نزلهم ، وسهلنا بالترحيب سبلهم ، وجمعنا على بذل الإحسان إليهم شملهم ، وحضر المذكور بين أيدينا وقربناه ، وسمعنا كلامه وخاطبناه ، وأمرنا في أمر المصحفين الشريفين بما أشرتم ، ورسمنا لنوابنا في نواحي أوقافهما بما ذكرتم ، وهذا الوقف المبرور جار على أحسن عادة ألفها ، وأثبت قاعدة عرفها ، مرعيّ الجوانب ، محمي المنازل والمضارب ، آمن من إزالة رسمه ، أو إزالة حكمه ، بدره أبدا في مطالع تمه ، وزهره دائما يرقص على « 4 » كمه ، لا يزداد إلا تخليدا ، ولا إطلاق ثبوته إلا تقييدا ، ولا عنق اجتهاده إلا تقليدا « 5 » ، جريا على قاعدة « 6 » أوقاف ممالكنا ، وعادة « 7 » تصرفاتنا في مسالكنا ، وله مزيد الرعاية ، وإفادة الحماية ، ووفادة العناية . وأما ما وصفتموه من أمر الجزيرة الخضراء وما لاقاه أهلها ، ومني به من الكفار حزنها وسهلها « 8 » ، فإنه شقّ علينا سماعه الذي أنكى أهل الإيمان ، وعدّد به نوب الزمان « 9 » ، كل قلب بأنامل الخفقان ، وطالما فزتم بالظفر ، ورزقتم النصر على عدوّكم فجر ذيل الهزيمة وفرّ ، ولكن الحروب سجال ، وكل زمان لدوائه دولة ولرجائه رجال ، ولو أمكنت المساعدة لطارت بنا إليكم عقبان الجياد المسوّمة ، وسالت على عدوّكم أباطحهم بقسينا المعوجة وسهامنا المقوّمة ، وكحلنا عيون النجوم بمراود الرماح « 10 » ، وجعلنا ليل العجاج « 11 » ممزقا ببروق الصفاح ،

--> ( 1 ) في ه « يسير سير الشمس » . ( 2 ) في نسخة عند ه « أبراده » . ( 3 ) ماد : تحرك واضطرب . والطود : الجبل . ( 4 ) في ب « يرقص في كمه » . ( 5 ) التقليد : وضع القلادة . ( 6 ) في ب ، ه « جريا على عادة » . ( 7 ) في ب ، ه « وقاعدة تصرفاتنا » . ( 8 ) الحزن من الأرض : الصعب الوعر . ( 9 ) في ب ، ه « ذنوب الزمان » . ( 10 ) مراود : جمع مرود ، وهو الميل الذي يكتحل به . ( 11 ) العجاج : الغبار .