أحمد بن محمد المقري التلمساني

175

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

لا غرو أن زاد في وجدي مرورهم * فرؤية الماء تذكي غلّة الصّادي ولما وصل المعتمد « 1 » لورقة أعلم أن العدو قد جيش لها واحتشد ، ونهد نحوها وقصد ، ليتركها خاوية على عروشها ، طاوية الجوانح على وحوشها ، فتعرض له المعتمد دون بغيته ، وطلع عليه من ثنيّته ، وأمر الراضي بالخروج إليه في عسكر جرّده لمحاربته ، وأعده لمصادمته ، ومضاربته ، فأظهر التمرض والتشكي « 2 » ، وأضمر التقاعس والتلكي ، فرارا من المصادمة ، وإحجاما عن المساومة « 3 » ، وجزعا من منازلة الأقران ، ومقابلة ذوابل المرّان ، ومقاساة الطعان ، وملاقاة أبطال كالرّعان ، ورأى أن المطالعة ، أرجح من المقارعة ، ومعاناة العلوم ، أربح من مداواة الكلوم « 4 » ، فقد كان عاكفا على تلاوة ديوان ، عارفا بإجادة صدر وعنوان ، فعلم المعتمد ما نواه ، وتحقق ما لواه ، فأعرض عنه ، ونفض يده منه ، ووجه المعتدّ « 5 » مع ذلك الجيش الذي لم تنشر بنوده ، ولا نصرت جنوده ، فعندما لاقوا العدو لاذوا بالفرار ، وعاذوا بإعطاء الغرة بدلا من الغرار ، وتفرقوا في تلك الأماريت « 6 » ، وفرقوا من تخطف أولئك العفاريت ، فتحيف العدوّ من بقي مع المعتد واهتضمه ، وخضم ما في العسكر وقضمه ، وغدت مضاربه مجرّ عواليه ، ومجرى مذاكيه ، وآب أخسر من بائع السّدانة « 7 » ، ومضيع الأمانة ، فانطبقت سماء المعتمد على أرضه ، وشغلته عن إقامة نوافله وفرضه ، فكتب إليه الراضي : [ البسيط ] لا يكر ثنّك خطب الحادث الجاري * فما عليك بذاك الخطب من عار ما ذا على ضيغم أمضى عزيمته * إن خانه حدّ أنياب وأظفار « 8 » لئن أتوك فمن جبن ومن خور * قد ينهض العير نحو الضّيغم الضّاري « 9 » عليك للنّاس أن تبقى لنصرتهم * وما عليك لهم إسعاد أقدار لو يعلم الناس فيما أن تدوم لهم * بكوا لأنّك من ثوب الصّبا عاري

--> ( 1 ) في ب ، ه « ولما وصل العدو » محرفا . ( 2 ) في ب ، ه « فأظهر التمارض والتشكي » . ( 3 ) في ه « فرارا من المصادرة ، وإحجاما عن المساورة » . ( 4 ) الكلوم : الجروح . ( 5 ) في ج « وتوجه المعتد » . ( 6 ) الأماريت : الأراضي المنبسطة . ( 7 ) بائع السدانة : هو أبو غبشان الذي باع سدانة الكعبة لقصي بن كلاب . ( 8 ) الضيغم : الأسد . ( 9 ) الخور : الضعف ، والعير : الحمار .