أحمد بن محمد المقري التلمساني

78

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

وأبرد فؤاد المستهام بنظرة * وأعد عليه العيش من رؤياكا واشف الغداة غليل صبّ هائم * أضحى مناه من الحياة مناكا فسعادتي بالعادل الملك الذي * ملك الملوك وقارن الأفلاكا فبقيت لي يا مالكي في غبطة * وجعلت من كلّ الأمور فداكا فلمّا تلا الصاحب على الحاضرين محكم آياتها ، وجلا منها العروس التي حازت من المحاسن أبعد غاياتها ، أخذ الناس في الاستحسان لغريب نظامها ، وتناسق التئامها ، والثناء على الخاطر الذي نظم بديع أبياتها ، وأطلع من مشرق فكره آياتها ، فقال السلطان : نريد من يجيبه عنّا بأبيات على قافيتها ، فالتفت مسرعا إليّ وأنا عن يمينه ، وقال : يا مولانا ، مملوكك فلان هو فارس هذا الميدان ، والمعتاد للتخلّص من مضايق هذا الشان ، ثم قطع وصلا من درج كان بين يديه ، وألقاه إليّ ، وعمد إلى دواته فأدارها بين يديّ ، فقال له السلطان : أهكذا على مثل هذا الحال ؟ وفي مثل هذا الوقت ؟ فقال : نعم ، أنا قد جرّبته فوجدته متّقد الخاطر ، حاضر الذهن ، سريع إجابة الفكر ، فقال السلطان : وعلى كل حال قم إلى هنا لتنكفّ عنك أبصار الناظرين ، وتنقطع عنك ضوضاء الحاضرين ، وأشار إلى مكان عن يمين البيت الخشب الذي هو بالجلوس فيه منفرد ، فقمت وقد فقدت رجلي انخذالا ، وذهني اختلالا ، لهيبة المجلس في صدري ، وكثرة من حضره من المترقّبين لي ، المنتظرين حلول فاقرة الشماتة بي « 1 » ، فما هو إلّا أن جلست حتى ثاب إليّ خاطري « 2 » ، وانثال الكلام على سرائري « 3 » ، فكنت أتوهّم أنّ فكري كالبازي الصّيود لا يرى كلمة إلّا أنشب فيها منسره ، ولا معنى إلّا شكّ فيه ظفره ، فقلت في أسرع وقت : [ الكامل ] وصلت من الملك المعظّم تحفة * ملأت بفاخر درّها الأسلاكا أبيات شعر كالنجوم جلالة * فلذا حكت أوراقها الأفلاكا « 4 » عجبا وقد جاءت كمثل الروض إذ * لم تذوها بالحرّ نار ذكاكا جلت الهموم عن الفؤاد كمثل ما * تجلو بغرّة وجهك الأحلاكا كقميص يوسف إذ شفت يعقوب ري * ياه شفتني مثله ريّاكا قد أعجزت شعراء هذا العصر كل * لهم فلم لا تعجز الأملاكا

--> ( 1 ) الفاقرة : الداهية التي تكسر فقار الظهر . ( 2 ) ثاب إليّ خاطري : رجع . ( 3 ) في البدائع « وانثال الشعر على ضمائري » . ( 4 ) حكت : شابهت .