أحمد بن محمد المقري التلمساني
317
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
إليه الآمال بغير خطام ، ووردت من نداه ببحر طام ، ولم يزل بالدولة قائما ، وموقظا من بهجتها ما كان نائما ، إلى أن صار الأمر إلى المأمون بن ذي النون أسد الحروب ، ومسدّ الثغور والدروب ، فاعتمد عليه واتّكل ، ووكل الأمر إلى غير وكل ، فما تعدّى الوزارة إلى الرياسة ، ولا تردّى بغير التدبير والسياسة ، فتركه مستبدا ، ولم يجد من ذلك بدا . وكان أبو بكر هذا ذا رفعة غير متضائلة ، وآراء لم تكن آفلة ، أدرك بها ما أحبّ ، وقطع غارب كل منافس وجبّ « 1 » ، إلى أن طلّحه العمر وأنضاه « 2 » ، وأغمده الذي انتضاه ، فخلّى الأمر إلى ابنيه ، فتلبّدا في التدبير ، ولم يفرقا بين القبيل والدّبير ، فغلب عليهما القادر بن ذي النون ، وجلب إليهما كل خطب ما خلا المنون ، فانجلوا ، بعد ما ألقوا ما عندهم وتخلّوا ، وكان لأبي عبد اللّه نظم مستبدع ، يوضع بين الجوانح ويودع ، انتهى المقصود من الترجمة . [ من شعر الوزير أبي الفرج وترجمته ] وكان للوزير أبي الفرج ابن مكبود « 3 » قد أعياه علاجه ، وتهيّأ للفساد مزاجه ، فدلّ على خمر قديمة ، فلم يعلم بها إلّا عند حكم ، وكان وسيما ، وللحسن قسيما ، فكتب إليه : [ المجتث ] أرسل بها مثل ودّك * أرقّ من ماء خدّك شقيقة النّفس فانضح * بها جوى ابني وعبدك وكتب رحمه اللّه تعالى معتذرا « 4 » ، عما جناه منذرا : [ الخفيف ] ما تغيّبت عنك إلّا لعذر * ودليلي في ذاك حرصي عليكا هبك أنّ الفرار من عظم ذنب * أتراه يكون إلّا إليكا « 5 » وقال في المطمح في حقّ أبي الفرج : من ثنيّة « 6 » رياسة ، وعترة نفاسة ، ما منهم إلّا من تحلّى بالإمارة ، وتردّى بالوزارة ، وأضاء « 7 » في آفاق الدول ، ونهض بين الخيل والخول ، وهو
--> ( 1 ) جبّ : قطع . ( 2 ) طلّحه العمر : أتعبه . وأنضاه : أضعفه وأهزله وأتعبه . ( 3 ) مكبود : مصاب بمرض في كبده . ( 4 ) في ه : « معذرا » . ( 5 ) في ج : « هبك أن الفرار من غريب ذنب » . ( 6 ) في ه : « من نبتة » وفي المطمح « بيتة » . ( 7 ) في ه : « وأومض » .