أحمد بن محمد المقري التلمساني

318

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

أحد أمجادهم ، ومتقلّد نجادهم ، فاقهم « 1 » أدبا ونبلا ، وباراهم كرما تخاله وبلا « 2 » ، إلّا أنه بقي وذهبوا ، ولقي من الأيام ما رهبوا ، فعاين تنكرها ، وشرب عكرها ، وجال في الآفاق ، واستدرّ أخلاف الأرزاق ، وأجال للرّجاء « 3 » قداحا متواليات الإخفاق ، فأخمل قدره ، وتوالى عليه جور الزمان وغدره ، فاندفنت « 4 » آثاره ، وعفت أخباره ، وقد أثبتّ له بعض ما قاله وحاله قد أدبرت ، والخطوب إليه قد انبرت ، أخبرني الوزير الحكيم أبو محمد المصري وهو الذي آواه ، وعنده استقرّت نواه ، وعليه كان قادما ، وله كان منادما ، أنه رغب إليه في أحد الأيام أن يكون من جملة ندمائه ، وأن لا يحجب عنه وتكون منّة من أعظم نعمائه ، فأجابه بالإسعاف ، واستساغ منه ما كان يعاف ، لعلمه بعلته « 5 » ، وإفراط خلّته ، فلما كان ظهر ذلك اليوم كتب « 6 » إليه : [ الكامل ] أنا قد أهبت بكم وكلّكم هوى * وأحقّكم بالشكر منّي السابق فالشمس أنت وقد أظلّ طلوعها * فاطلع وبين يديك فجر صادق [ من شعر الوزير أبي عامر بن مسلمة وترجمتة ] وقال الوزير أبو عامر بن مسلمة : [ الكامل ] حجّ الحجيج مني ففازوا بالمنى * وتفرّقت عن خيفه الأشهاد ولنا بوجهك حجّة مبرورة * في كلّ يوم تنقضي وتعاد وقال الفتح في حقّه ما صورته : نبتة « 7 » شرف باذخ ، ومفخر على ذوائب الجوزاء شامخ ، وزروا للخلفاء ، فانتجعتهم الأدباء واتّبعتهم العظماء ، وانتسبت لهم النعماء ، وتنفست عن نور بهجتهم الظّلماء ، وأبو عامر هذا هو جوهرهم المنتخل ، وجوادهم الذي لا يبخل « 8 » ، وزعيمهم المعظّم ، وسلك مفخرهم المنظّم ، وكان فتى المدام ، ومستفتي النّدام ، وأكثر من النعت للراح والوصف ، وآثر « 9 » الأفراح والقصف ، وأرى قينات السرور مجلوّة ، وآيات الحسن متلوّة ، وله كتاب سماه « حديقة الارتياح ، في وصف حقيقة الراح » ، واختصّ بالمعتضد اختصاصا جرّعه رداه ، وصرعه في مداه « 10 » ، فقد كان في المعتضد من عدم تحفّظه للأرواح ، وتهاونه باللّوّام في ذلك واللّواح « 11 » ، فاطمأن إليه أبو عامر واغترّ ، وأنس إلى ما بسم له من مؤانسته وافترّ ، حتى أمكنته في اغتياله فرصة ، لم يعلق بها حصّة ، ولم يضيق « 12 » عليه إلّا أنه زلّت به قدمه فسقط

--> ( 1 ) في ب ، ه : « فاتهم أدبا » . ( 2 ) الوبل : المطر الشديد . ( 3 ) في ج : « وآجال الرجاء » . ( 4 ) في ب : « فاندفعت آثاره » . ( 5 ) في ه : « لعلمه بغلته » وفي : « لعلمه بقلته » . ( 6 ) في ه : « خطب إليه » . ( 7 ) في ج ، وفي المطمح « بيت شرف باذج » . ( 8 ) في ه : « وجوادهم الذي لم يبخل » . ( 9 ) آثر : فضّل . ( 10 ) في ه : « وصرعه في مبتداه » . ( 11 ) اللوام : جمع لائم . واللواح : جمع لاح وهو اللائم . ( 12 ) في ب ، ه : « ولم يطلق عليه » .