أحمد بن محمد المقري التلمساني

182

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

المصنّف ، فقلت : انظروا من يقرأ لكم ، وأمسكت أنا كتابي ، فأتوني برجل أعمى يعرف بابن سيده ، فقرأه عليّ من أوّله إلى آخره ، فعجبت من حفظه ، وكان أعمى ابن أعمى . وابن سيده المذكور هو أبو الحسن علي بن أحمد بن سيده ، وهو صاحب كتاب « المحكم » . ومن نظمه ممّا كتب به إلى ابن الموفّق : [ الطويل ] ألا هل إلى تقبيل راحتك اليمنى * سبيل فإنّ الأمن في ذاك واليمنا ومنها : ضحيت فهل في برد ظلّك نومة * لذي كبد حرّى وذي مقلة وسني وتوفي ابن سيده المذكور سنة ثمان وخمسين وأربعمائة ، وعمره نحو الستين ، رحمه اللّه تعالى ! [ المظفر بن الأفطس وحبه للعلم ] ومن حكاياتهم في حبّ العلم أنّ المظفر بن الأفطس صاحب بطليوس كان كما قال ابن الأبّار كثير الأدب ، جمّ المعرفة ، محبّا لأهل العلم ، جمّاعة للكتب ، ذا خزانة عظيمة ، لم يكن في ملوك الأندلس من يفوقه في أدب ومعرفة ، قاله ابن حيان . وقال ابن بسام « 1 » : كان المظفر أديب ملوك عصره غير مدافع ولا منازع ، وله التصنيف الرائق ، والتأليف الفائق ، المترجم ب « التذكرة » والمشتهر أيضا اسمه بالكتاب المظفّري ، في خمسين مجلّدا ، يشتمل على فنون وعلوم من مغاز وسير ومثل وخبر وجميع ما يختصّ به علم الأدب ، أبقاه للناس خالدا ، وتوفي المظفر سنة ستين وأربعمائة . وكان يحضر العلماء للمذاكرة ، فيفيد ويستفيد ، رحمه اللّه تعالى ! [ من كبار مؤلفات أهل الأندلس ومن دعابات أهل الأندلس ] ومن التآليف الكبار لأهل الأندلس كتاب « السماء والعالم » الذي ألّفه أحمد بن أبان صاحب شرطة قرطبة ، وهو مائة مجلّد ، رأيت بعضه بفاس ، وتوفي ابن أبان سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة ، رحمه اللّه تعالى ! . ولأهل الأندلس دعابة وحلاوة في محاوراتهم « 2 » ، وأجوبة بديهية مسكتة ، والظّرف فيهم والأدب كالغريزة ، حتى في صبيانهم ويهودهم ، فضلا عن علمائهم وأكابرهم .

--> ( 1 ) انظر الذخيرة ج 2 ص 255 . ( 2 ) في ه : « مجاورتهم » بالجيم ، محرفا .