أحمد بن محمد المقري التلمساني
183
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
ولنذكر جملة من ذكر الجلّة فنقول : حكي عن عالم ألمريّة القاضي أبي الحسن مختار الرعيني ، وكان فيه حلاوة ولوذعية « 1 » ووقار وسكون ، أنه استدعاه يوما زهير ملك المريّة من مجلس حكمه ، فجاءه يمشي مشية قاض قليلا قليلا ، فاستعجله رسول زهير ، فلم يعجل ، فلمّا دخل عليه قال له : يا فقيه ، ما هذا البطء ؟ فتأخّر إلى باب المجلس ، وطلب عصا ، وشمّر ثيابه ، فقال له زهير : ما هذا ؟ قال : هذا يليق باستعجال الحاجب لي ، فوقع في خاطري أنه عزلني عن القضاء وولّاني الشرطة ، فضحك زهير واستحلاه ولم يعد إلى استعجاله . وهذا القاضي هو القائل - وقد دخل حمّاما فجلس بإزائه عاميّ أساء الأدب عليه - : [ الطويل ] ألا لعن الحمّام دارا فإنه * سواء به ذو العلم والجهل في القدر تضيع به الآداب حتى كأنها * مصابيح لم تنفق على طلعة الفجر وروي أنّ المقرئ أبا عبد اللّه محمد بن الفراء إمام النحو واللغة في زمانه - وكانت فيه فطنة ولوذعيّة - أبطأ خروجه يوما إلى تلامذته ، فطال بهم الكلام في المذاكرة فقال أحدهم نصف بيت ، وكان فيهم وسيم من أبناء الأعيان ، وكان ابن الفراء كثير الميل إليه ، فلمّا خرج قال له : يا أستاذ ، عملت نصف بيت ، وأريد أن تتمّه ، فقال : ما هو ؟ فقال : [ المتقارب ] ألا بأبي شادن أوطف « 2 » فقال الأستاذ ابن الفراء بديها : [ المتقارب ] إذا كان وردك لا يقطف * وثغر ثناياك لا يرشف فأيّ اضطرار بنا أن نقول : * ألا بأبي شادن أوطف وهذا ابن الفراء هو القائل « 3 » : [ مجزوء الخفيف ] قيل لي : قد تبدّلا * فاسل عنه كما سلا لك سمع وناظر * وفؤاد فقلت : لا
--> ( 1 ) لوذعية : ذكاء متوقد . ( 2 ) الأوطف : الكثير شعر الحاجبين والعينين ، مؤنثه وطفاء ، وجمعه وطف . ( 3 ) انظر زاد المسافر ص 100 .