أحمد بن محمد المقري التلمساني
171
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
يقولون الابتعاد من الشعراء أولى من الاقتراب ، نعم ذلك لمن ليس له مفاخر يريد تخليدها ، ولا أياد يرغب في نشرها ، فأين الذين قيل فيهم « 1 » : [ الطويل ] على مكثريهم رزق من يعتريهم * وعند المقلّين السماحة والبذل وأين الذي قيل فيه « 2 » : [ المديد ] إنما الدنيا أبو دلف * بين مبدأه ومحتضره فإذا ولّى أبو دلف * ولّت الدنيا على أثره أما كان في الجاهلية والإسلام أكرم ممّن قيل فيه هذا القول ؟ بلى ، ولكن صحبة الشعراء والإحسان إليهم أحيت غابر ذكرهم ، وخصّتهم بمفاخر عصرهم ، وغيرهم لم تخلّد الأمداح مآثرهم فدثر ذكرهم ، ودرس فخرهم ، انتهى . [ من عدل المعتصم بن صمادح ] ومن حكاياتهم في العدل أنه لمّا بنى المعتصم بن صمادح ملك ألمرية قصوره المعروفة بالصمادحية غصبوا أحد الصالحين في جنّة وألحقوها بالصمادحية ، وزعم ذلك الصالح أنها لأيتام من أقاربه ، فبينا المعتصم يوما يشرب على الساقية الداخلة إلى الصمادحية إذ وقعت عينه على أنبوب قصبة مشمع ، فأمر من يأتيه به ، فلمّا أزال عنه الشمع وجد فيه ورقة فيها « إذا وقفت أيها الغاصب على هذه الورقة فاذكر قول اللّه تعالى إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ ( 23 ) [ سورة ص ، الآية : 23 ] لا إله إلّا اللّه ، أنت ملك قد وسّع اللّه تعالى عليك ، ومكّن لك في الأرض ، ويحملك الحرص على ما يفنى أن تضمّ إلى جنّتك الواسعة العظيمة قطعة أرض لأيتام حرّمت بها حلالها ، وخبثت طيبها ، ولئن تحجّبت عني بسلطانك ، واقتدرت عليّ بعظم شأنك ، فنجتمع غدا بين يدي من لا يحجب عن حقّ ، ولا تضيع عنده شكوى . فلمّا استوعب قراءتها دمعت عيناه ، وأخذته خشية خيف عليه منها ، وكانت عادته رحمه اللّه تعالى ، وقال : عليّ بالمشتغلين ببناء الصمادحية ، فأحضروا ، فاستفسرهم عمّا زعم الرجل ، فلم يسعهم إلّا صدقه ، واعتذروا بأنّ نقصها من الصمادحية يعيبها في عين الناظر ، فاستشاط غضبا وقال : واللّه إنّ عيبها في عين الخالق أقبح من عيبها في عين المخلوق ، ثم أمر بأن تصرف إليه « 3 » ، واحتمل تعويرها لصمادحيته . ولقد مرّ بعض أعيان ألمرية وأخيارها مع جماعة على هذا المكان الذي أخرجت منه جنّة الأيتام فقال أحدهم : واللّه
--> ( 1 ) البيت لزهير بن أبي سلمى . انظر ديوانه ( شرح الأعلم ، ص 22 ) . ( 2 ) انظر طبقات ابن المعتز ، ص 172 . والبيتان لعلي بن جبلة . ( 3 ) في ب ، ه : « بأن تصرف عليه » .