أحمد بن محمد المقري التلمساني
172
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
لقد عورت هذه القطعة هذا المنظر العجيب ، فقال له : اسكت ، فو اللّه إنّ هذه القطعة طراز هذا المنظر وفخره ، وكان المعتصم إذا نظر إليها قال : أشعرتم أن هذا المكان المعوجّ في عيني أحسن من سائر ما استقام من الصمادحية ؟ ثم إنّ وزيره ابن أرقم لم يزل يلاطف الشيخ والأيتام حتى باعوها عن رضا بما اشتهوا من الثمن ، وذلك بعد مدة طويلة ، فاستقام بها بناء الصمادحية ، وحصل للمعتصم حسن السمعة في الناس ، والجزاء عند اللّه تعالى : [ عز الدولة بن المعتصم بن صمادح ] ولمّا مات المعتصم بن صمادح ركب البحر ابنه وليّ عهده الواثق عزّ الدولة أبو محمد عبد اللّه ، وفارق الملك كما أوصاه المعتصم والده وفي ذلك يقول : [ الطويل ] لك الحمد بعد الملك أصبحت خاملا * بأرض اغتراب لا أمرّ ولا أحلي « 1 » وقد أصدأت فيها الجذاذة أنملي * كما نسيت ركض الجياد بها رجلي « 2 » فلا مسمعي يصغي لنغمة شاعر * وكفّي لا تمتدّ يوما إلى بذل قال ابن اللبانة الشاعر : ما علمت حقيقة جور الدهر حتى اجتمعت ببجاية مع عزّ الدولة بن المعتصم بن صمادح فإني رأيت منه خير من يجتمع به ، كأنه لم يخلقه اللّه تعالى إلّا للملك والرياسة وإحياء الفضائل ، ونظرت إلى همّته تنمّ من تحت خموله كما ينمّ فرند السيف وكرمه من تحت الصدأ « 3 » ، مع حفظه لفنون الأدب والتواريخ وحسن استماعه وإسماعه ، ورقّة طباعه ولطافة ذهنه ، ولقد ذكرته لأحد من صحبته من الأدباء في ذلك المكان ووصفته بهذه الصفات ، فتشوّق إلى الاجتماع به ، ورغب إليّ في أن أستأذنه في ذلك ، فلما أعلمت عزّ الدولة قال : يا أبا بكر ، لتعلم أنّا اليوم في خمول وضيق لا يتّسع لنا معهما ، ولا يحمل بنا الاجتماع مع أحد ، لا سيما مع ذي أدب ونباهة يلقانا بعين الرحمة ، ويزورنا بمنّة التفضّل في زيارتنا ، ونكابد من ألفاظ توجّعه وألحاظ تفجّعه ما يجدّد لنا همّا قد بلي ، ويحيي كمدا قد فني ، وما لنا قدرة على أن نجود عليه بما يرضى به عن همّتنا ، فدعنا كأننا في قبر ، نتدرع لسهام الدهر بدرع الصبر ، وأما أنت فقد اختلطت بنا اختلاط اللحم بالدم ، وامتزجت امتزاج الماء بالخمر ، فكأنّا لم نكشف حالنا لسوانا ، ولا أظهرنا ما بنا لغيرنا ، فلا تحمل غيرك محملك ، قال ابن اللبانة : فملأ واللّه سمعي بلاغة لا تصدر إلّا عن سداد ونفس أبيّة متمكّنة من
--> ( 1 ) في ه : « لك الحمد بعد الملك أصبح خاملا » . ( 2 ) في أ : « وقد أصدأت فيها الجذاذة منهلي » . ( 3 ) فرند السيف : ما يرى في السيف من تموجات الضوء .