أحمد بن محمد المقري التلمساني
5
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
بصري بما حظي به سمعي ، ورحلت إليها وأقمت جابرا بالذاكرة والمطايبة صدعي ، ثم رحلت إلى الموصل فألفيت مدينة عليها رونق الأندلس ، وفيها لطافة وفي مبانيها طلاوة ترتاح لها الأنفس ، ثم دخلت إلى مقر الخلافة بغداد ، فعاينت من العظم والضخامة ما لا يفي به الكتب ولو أن البحر مداد « 1 » ، ثم تغلغلت إلى بلاد العجم « 2 » بلدا بلدا ، غير مقتنع بغاية ولا قاصد أمدا ، إلى أن حللت ببخارى قبة الإسلام ، ومجمع الأنام ، فألقيت بها عصا التسيار ، وعكفت على طلب العلم واصلا في اجتهاده سواد الليل وبياض النهار ، انتهى . وكتب إليهم أيضا من هذه الرسالة : كتبت وقد حصلتني السعادة ، وحظ الأمل والإرادة ، بحضرة بخارى قبة الإسلام . وأجابه أهله من الغرب بكلام من جملته : وإن كنت قد تحصنت بقبة الإسلام ، فقد تعجلت لنا ولك الفقد قبل وقت الحمام « 3 » . وأتبعوا ذلك بما دعاه لأن خاطبهم بشعر منه : [ بحر الطويل ] عتبتم على حثّي المطيّ وقلتم * تعجّلت فقدا قبل وقت حمام إذا لم يكن حالي مهمّا لديكم * سواء عليكم رحلتي ومقامي وقتل المذكور ببخارى ، حين دخلها التتر ، وهو عم علي بن سعيد الشهير . وكان لعبد الرحمن المذكور أخ يسمى يحيى قد عانى الجندية ، فلما بلغه أن أبا القاسم عبد الرحمن قتل ببخارى قال : لا إله إلا اللّه ! كان أبدا يسفّه رأيي في الجندية ، ويقول : لو اتبعت طريق النجاة كما صنعت أنا لكان خيرا لك ، فها هو ربّ قلم قد قتل شر قتلة بحيث لا ينتصر وسلب سلاحه ، وأنا ما زلت أغازي في عبّاد الصليب وأخلص ، فما يقدر أحد أن « 4 » يحسن لنفسه عاقبة ، انتهى . قال أبو الحسن علي بن سعيد : ثم إن يحيى المذكور بعد خوضه في الحروب صرعه في طريقه غلام كان يخدمه ، فذبحه على نزر « 5 » من المال ، أفلت به ، فانظر إلى تقلب الأحوال كيف يجري في أنواع الأمور لا على تقدير ولا احتياط ، انتهى . ومن شعر أبي القاسم عبد الرحمن المذكور ما خاطب به نقيب الأشراف ببخارى ، وقد
--> ( 1 ) المداد : الحبر . ( 2 ) في ب ، ه : « في بلاد العجم » . ( 3 ) الحمام : الموت . ( 4 ) « أن » ساقطة في ب . ( 5 ) النزر : القليل التافه .